الذكاء الاصطناعي: الابتكار الذي يعيد تشكيل العالم ومخاطر الهيمنة على مستقبل الإنسان


هذا الخبر بعنوان "الذكاء الاصطناعي بين الابتكار والهيمنة.. مستقبل الإنسان على المحك" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٠ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد دمشق والعالم تحولاً تكنولوجياً متسارعاً يقوده الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح جزءاً لا يتجزأ من مختلف جوانب الحياة، من الاقتصاد وسوق العمل إلى الإعلام والمجتمع. هذا التغلغل أفرز تحديات اقتصادية واجتماعية وفكرية عميقة، بعضها يمتد ليؤثر في اللاشعور الجمعي للأفراد. يُعرف اللاشعور الجمعي في علم النفس بأنه طبقة عميقة من العقل يشترك فيها جميع البشر، وتحتوي على خبرات ورموز وصور أولية موروثة عبر الأجيال.
تحولات سوق العمل وتراجع القدرة الشرائية
يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل سوق العمل العالمي بوتيرة غير مسبوقة. فوفقاً لتقديرات الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، من المتوقع أن يتأثر نحو 40 بالمئة من الوظائف خلال العقد المقبل بسبب الأتمتة، خاصة في القطاعات التي تعتمد على المهام الروتينية. يزداد هذا التحدي حدة في الدول التي تفتقر إلى برامج تدريب مهني فعالة قادرة على إعادة تأهيل العاملين. في هذا السياق، أشار الرئيس التنفيذي لشركة “ميتا”، مارك زوكربيرغ، إلى أن الذكاء الاصطناعي بات يمكّن الموظف الواحد من إنجاز مهام كانت تتطلب فرقاً كاملة، مما يعكس تحولاً جذرياً في استراتيجيات التوظيف.
ينعكس هذا التحول مباشرة على الدخل الفردي، حيث يؤدي فقدان الوظائف إلى تراجع القدرة الشرائية لشريحة واسعة من المجتمع، الأمر الذي يضعف الاستهلاك، المحرك الأساسي للنمو الاقتصادي. ومع انخفاض الطلب على السلع والخدمات، تتباطأ الدورة الاقتصادية وتتراجع الاستثمارات والإنتاج، مما يؤثر سلباً على قدرة الدول على تمويل خدماتها الاجتماعية.
الذكاء الاصطناعي: من الابتكار التقني إلى هيمنة تهدد الإنسان
تعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي على خوارزميات تتخذ قراراتها بناءً على البيانات، لكنها غالباً ما تعكس تحيزاتها. في المجالين الاجتماعي والإعلامي، تلعب هذه الخوارزميات دوراً محورياً في توجيه المحتوى للمستخدمين، مما يرسخ رسائل معينة في اللاشعور الجمعي ويجعلها تبدو وكأنها اختيارات شخصية، بينما هي في الواقع نتاج توجيه خفي يخدم أهدافاً اقتصادية أو سياسية. كما أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على فهم السياق الشخصي للمستخدم، بما يشمل اهتماماته وعلاقاته، مما يجعل التجربة أكثر تخصيصاً، لكنه يزيد أيضاً من احتمالات التأثير غير المباشر في السلوك.
تؤدي هذه الآليات إلى نشوء “فقاعات المعلومات”، حيث يتعرض المستخدم لنمط واحد من الآراء، مما يحد من التفكير النقدي ويعيد إنتاج أنماط فكرية وسلوكية متكررة، ويضعف القدرة على التمييز بين المعلومات الموضوعية والمعلومات الموجهة.
الهيمنة التقنية وغياب الشفافية: تحذيرات دولية تتصاعد
تتركز تقنيات الذكاء الاصطناعي وبياناته الضخمة في أيدي عدد محدود من الشركات والدول، مما يمنحها نفوذاً واسعاً في توجيه تدفق المعلومات. تشير بيانات 2024/2025 إلى أن الولايات المتحدة تهيمن على 70 بالمئة من القدرة الحاسوبية السحابية العالمية، بينما تستحوذ الصين على 11 بالمئة فقط. إضافة إلى ذلك، تمتلك الولايات المتحدة أكثر من 80 بالمئة من قدرة المعالجات المتقدمة، مما يعكس فجوة كبيرة في توزيع القوة التقنية.
بالتوازي، حذرت جهات دولية من مخاطر هذا الوضع. دعا الأمين العام للأمم المتحدة إلى ضرورة إخضاع الأنظمة الذكية لإشراف بشري فعال، محذراً من ترك القرارات المصيرية لـ”الصناديق السوداء”. في حين أكدت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن غياب القابلية للتفسير قد يعمق الفجوات الاجتماعية والاقتصادية.
الأعباء البيئية وأبعاد القوة الناعمة
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية، بل تحول إلى وسيلة غير مرئية لإعادة تشكيل الاقتصاد والمجتمع، إذ يمنح امتلاكه بعض الجهات قدرة على التأثير في الأسواق والرأي العام دون استخدام أدوات القوة التقليدية، مما يخلق شكلاً جديداً من الصراعات الناعمة. كما يشير تقرير الأمم المتحدة للبيئة بعنوان “استكشاف الآفاق الجديدة” إلى أن مراكز البيانات تستهلك كميات ضخمة من المواد الخام والموارد الطبيعية، إذ يتطلب تصنيع حاسوب يزن 2 كغ نحو 800 كغ من المواد الخام، إضافة إلى اعتماد الرقائق الإلكترونية على عناصر نادرة تستخرج بطرق مضرة بالبيئة. كما تنتج هذه المراكز نفايات إلكترونية خطرة وتستهلك كميات كبيرة من المياه لتبريد مكوناتها.
تنظيم الذكاء الاصطناعي: ضرورة ملحة
أمام هذه التحديات، تبرز الحاجة إلى أطر تشريعية وتنظيمية تضمن استخدام الذكاء الاصطناعي بما يخدم الإنسان ويحمي حقوقه. فالتقنية، رغم إمكاناتها الكبيرة، تبقى أداة يجب أن تدار ضمن ضوابط أخلاقية وقانونية واضحة توازن بين الابتكار والاستقرار. يرى محللون أن مستقبل الذكاء الاصطناعي يعتمد على قدرة المجتمعات والدول على ضبط هذا التطور وتوجيهه بما يخدم التنمية والعدالة، ويحول دون تحوله إلى أداة للهيمنة أو التأثير في الوعي الإنساني. فالخوارزميات لن تحدد المستقبل وحدها، بل القرارات البشرية التي تنظم استخدامها.
علوم وتكنلوجيا
علوم وتكنلوجيا
علوم وتكنلوجيا
علوم وتكنلوجيا