سياسة حبس السيولة في سوريا: أزمة معيشية خانقة للمتقاعدين وتحذيرات اقتصادية من الركود


هذا الخبر بعنوان "حبس السيولة يضغط على آلاف الأسر السورية وخبراء يحذرون" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١١ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في مشهد يتكرر في مدن وقرى سورية عديدة، يعيش زوجان متقاعدان يقتربان من السبعين داخل منزلهما في حي شعبي، بانتظار راتب لم يدخل منزلهما منذ نهاية العام الفائت. أحدهما مصاب بسكتة دماغية تتطلب دواءً شهرياً بات عبئاً ثقيلاً، ويعتمدان اليوم على الاستدانة وما يقدمه الأبناء، رغم أن ظروفهم المادية ليست بأفضل حال. هذه القصة، التي نقلها سناك سوري-دمشق، ليست سوى واحدة من مئات الحالات التي تعاني في ظل سياسة نقدية يصفها اقتصاديون بأنها حبس للسيولة مهما كانت كلفتها الاجتماعية.
يشير أستاذ الاقتصاد في جامعة حلب، حسن حزوري، إلى أن ما يحدث ينطبق عليه المثل القائل: «نجحت العملية ومات المريض». ويوضح أن سياسة تجفيف السيولة التي يعتمدها مصرف سورية المركزي بهدف ضبط سعر الصرف، لا يعقل أن تمتد لتشمل المعاشات التقاعدية، خاصة وأن التصريحات الرسمية تعتبر الرواتب والأجور والمعاشات التقاعدية خطاً أحمر. لكن الواقع، وفقاً لحزوري، مختلف، حيث تتركز المشكلة في رواتب من أحيلوا حديثاً إلى التقاعد، والذين صدرت لهم شيكات عن المؤسسة العامة للتأمين والمعاشات عبر المصرف التجاري السوري، بمبالغ صغيرة جداً قد لا تتجاوز 80 ألف ليرة سورية جديدة.
ويضيف حزوري أن الإدارة العامة للمصرف تمتنع عن صرف هذه الشيكات، وألغت موافقات سابقة، في وقت لا يملك فيه بعض المتقاعدين حسابات جارية، فيما توقف أساساً فتح حسابات جديدة. ويتساءل: «كيف سيحصل هؤلاء على أموالهم؟». وقد أرفق في منشوره مثالاً عن الامتناع عن صرف شيك صادر بتاريخ كانون الأول الفائت، عن المؤسسة العامة للتأمين والمعاشات، بقيمة معاشات تقاعدية لا تتجاوز 76 ألف ليرة سورية جديدة.
من جانبه، يرى أستاذ التمويل والمصارف في جامعة حماة، عبد الرحمن محمد، في تصريحات نقلتها صحيفة الوطن المحلية، أن سياسة تجفيف السيولة تُستخدم كأداة نقدية أساسية للسيطرة على المعروض النقدي، وقد تؤدي إلى استقرار مؤقت لسعر الصرف، لكنها تضرب القدرة الشرائية للأفراد، وتعطل العمليات اليومية للشركات. ويحذر من أن هذه السياسة، رغم مبرراتها قصيرة الأجل، تنطوي على مخاطر جوهرية تضعف الثقة التي يسعى المركزي لبنائها، إذ تقيد النشاط الاقتصادي، وتحول المصارف من وسيط فاعل في تخصيص الائتمان إلى أداة سلبية، وتدفع الاقتصاد نحو الركود، وتفتح الباب أمام القنوات غير الرسمية. ويضيف: «إذا لم يقترن الاستقرار الاسمي للصرف بتحسين السيولة وتوسيع الائتمان، فإن الثقة ستظل هشة».
أما الخبير الاقتصادي جورج خزام، فيقدم قراءة أكثر حدة، معتبراً أن تقييد السحب النقدي يهدف إلى عدم انكشاف السعر الحقيقي المرتفع للدولار، الذي يتجاوز 19 ألف ليرة، وإقناع الناس بأن السياسات الاقتصادية الحالية، القائمة على الإغراق بالمستوردات على حساب الصناعة الوطنية، لم تؤدِّ إلى ارتفاع أكبر في سعر الصرف. ويضيف خزام أن تجفيف السيولة بالليرة، مقابل تجفيف الدولار من قبل المستوردين، يعني عملياً توزيع التضخم النقدي على المودعين أصحاب الحق باسترجاع أموالهم، ما يؤدي إلى انهيار القوة الشرائية، وتراجع الطلب، وتوقف المصانع، وزيادة البطالة، والكساد، مع تجميد الأسواق.
في الأثناء، يبقى الزوجان المتقاعدان، وغيرهما كثيرون، عالقين بين تصريحات رسمية تطمئن، وإجراءات مصرفية تقطع موردهم الوحيد. وبينما يطالب اقتصاديون بتدخل حاكم مصرف سورية المركزي أو وزير المالية لحل هذه المشكلة لدى المصرف التجاري السوري، يبرز سؤال منطقي: كيف يمكن لسياسة نقدية أن تنجح، فيما يفقد المتقاعدون الحد الأدنى من الأمان المعيشي؟ يذكر أن الحكومة السورية بدأت بسياسة حبس السيولة بعد التحرير مباشرة بهدف ضبط سعر الصرف، ما أدى لتأخر الرواتب، لكن مع بداية الصيف الفائت تحسن الوضع وبات الموظفون يحصلون على رواتبهم بانتظام تقريباً، قبل أن تعود تلك السياسة مع بداية العام الجاري بالتزامن مع طرح العملة السورية الجديدة في السوق.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد