وثائق جيفري إبستين تفضح: اقتصاد المقايضة المظلم والرأسمالية النهّاشة


هذا الخبر بعنوان "جيفري إبستين… اقتصاد المقايضة المظلم" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
خلف فضائح «جزيرة الشيطان» المرتبطة ببول مخلوف، يتكشف نظام مقايضة مظلم، حيث تُستبدل المعلومات السيادية بنزوات انحطاطية. تكشف وثائق جيفري إبستين عن وجه «الرأسمالية النهّاشة» التي يخطط فيها السياسيون وأصحاب النفوذ للأزمات بهدف امتصاص الثروات، تاركين الفتات والأجساد المستباحة للعامة. إنه تحوّل الاقتصاد إلى توحش منظم.
في كتابها «الرأسمالية النهّاشة» (vulture capitalism)، جادلت الصحافية البريطانية غرايس بلايكلي بأن الرأسمالية ليست نظاماً ليبرالياً حراً كما يُدّعى، بل هي نظام تعمل فيه النخب وأصحاب النفوذ على التخطيط المسبق لتحديد «من يحصل على ماذا». توضح بلايكلي أن السوق لا تعمل بصورة تلقائية أو محايدة، بل تُصاغ عبر السياسات الضريبية وعمليات الخصخصة. وعندما تتعثر الشركات الكبرى، يتم إنقاذها بتوزيع الخسائر على العامة، مما يؤدي إلى احتكار الأرباح في أيدي قلة من أصحاب النفوذ والسلطة. وبهذا، تُعد الرأسمالية نظاماً ينهش المجتمع من الداخل عبر ما تسميه بلايكلي «إدارة واعية لعدم المساواة»، وتحويلها إلى بنية دائمة.
إن انتشار وثائق جيفري إبستين سيعزز النظرية التي كتبتها بلايكلي، حيث سيخرج المجاز الرمزي الكامن في عنوان كتابها من حيّزه البلاغي إلى الواقع الملموس. في ضيافة جيفري إبستين، اجتمع في جزيرة سانت لويس رأسماليون نهّاشون، ليس كمجاز أخلاقي هذه المرة، بل كأشخاص يأكلون لحوم البشر. وقد بيّنت الوثائق المفرج عنها حديثاً كيف يقتات هؤلاء على ماذا، وكيف يجتمعون على ولائم الأزمات التي يصنعونها، ويحتكرون السوق، وكيف تتراكم الثروة إلى حد التخمة بينما تُوزَّع الكلفة على الأجساد الأضعف التي يشتهونها.
من ضمن الوثائق المفرج عنها، اكتشفت غرايس بلايكلي رسائل متبادلة بين جيفري إبستين ونائب رئيس الوزراء البريطاني السابق بيتر ماندلسون، يناقشان فيها، في ذروة الأزمة المالية العالمية، فرصة لجني الأرباح الطائلة عبر شراء مجموعة من الأصول العامة.
تروي غرايس بلايكلي القصة كالآتي: حين كان بيتر ماندلسون يؤدي عملياً دور نائب رئيس الوزراء إلى جانب غوردون براون في ذروة الأزمة المالية العالمية، كتب أحد مستشاري براون مذكرةً فيها اعتراف صريح بتعثّر الاقتصاد البريطاني، وأشار إلى أن الحكومة تتجه نحو بيع عدد من الأصول العامة. لم يتردد ماندلسون في تمرير هذه المذكرة إلى جيفري إبستين الذي بادر بالسؤال «ما هي هذه الأصول؟». لقد كانت تلك المعلومة قيّمة، بل استثنائية لأي مستثمر ثري يسعى إلى الاستثمار في أعقاب الأزمة المالية، وقد حصل إبستين عليها مجاناً، قبل جميع المستثمرين، بفضل ماندلسون.
بعد سنوات قليلة، ومع تعثّر دول الاتحاد الأوروبي في التوصل إلى توافق بشأن خطة إنقاذ لليونان الغارقة في الديون، بعث ماندلسون رسالة إلكترونية إلى إبستين قبل يوم واحد فقط من الإعلان الرسمي عن خطة الإنقاذ، كتب فيها: «مصادري تقول إنّ خطة إنقاذ بقيمة 500 مليار يورو باتت شبه مكتملة». مرة أخرى، تُسرَّب معلومة داخلية بالغة الأهمية مجاناً لإبستين.
غير أنّ أكثر هذه المراسلات تعبيراً عن التواطؤ بين النهاشين، هي تلك التي حاول فيها ماندلسون التنسيق مع إبستين لإجهاض فرض ضريبة على مكافآت المصرفيين. سأل إبستين عمّا إذا كان بالإمكان تعديل الضريبة المقترحة بما يخفّف العبء عن المصارف، فجاء ردّ ماندلسون صريحاً «أحاول جاهداً تعديلها». وبعد أيام، عاد إبستين ليسأل عمّا إذا كان من المفيد أن يتصل «جيمي»، في إشارة واضحة إلى جيمي دايمون الذي كان آنذاك رئيس مصرف «جيه بي مورغان»، بوزير الخزانة للضغط في هذا الاتجاه. لم يكتفِ ماندلسون بالموافقة، بل ذهب أبعد من ذلك، مقترحاً على إبستين بأن يلوّح بـ«تهديد خفيف» في محاولة لفرض الأمر وانتزاع ما يريد.
بعيداً عن الفضائح الجنسية وحقيقة الأفعال الشيطانية التي كانت تجري في جزيرة سانت لويس، تكشف هذه المراسلات عن الوجه الحقيقي لنظام غروتيسكي متكوّر على نفسه، يرتكز إلى شبكة من الوحوش السياسيين وأصحاب المال والنفوذ، تُدار فيها القرارات الكبرى خلف الأبواب المغلقة. قد لا تكون المعلومات المجانية التي جاءت على شاكلة تسريباتٍ من قبل ماندلسون مجانية تماماً، أي أنها ليست خدمات مجانية، بل حصل مقابلها على عروض إبستينية بالغة الانحطاط، كاغتصاب قاصر أو تناول لحم بشري.
تفضح المراسلة بين بيتر ماندلسون وجيفري إبستين آلية عمل النظام الرأسمالي بوصفه اقتصاد مقايضة مظلماً. تُسرَّب معلومات سيادية تخصّ حكوماتٍ ودولاً، أي مصائر شعوب بأكملها، مقابل صون العلاقات داخل دائرة النهّاشين، وعلى الأرجح مقابل ممارسات تتجاوز حدود الجريمة. الافتراس المنظّم للثروة العامة هو القاعدة الناظمة لهذا النظام/العالم.
تلتقي هذه الوقائع مع ما ذهبت إليه غرايس بلايكلي في توصيفها للرأسمالية باعتبارها اقتصادَ نهش لا اقتصاد إنتاج أو منافسة. فالقيمة فاقدة لشرعيتها، إذ يحددها النهّاشون أنفسهم، فيما العملة الأساسية هنا تُستخرج من منجم الأزمات، ويغدو ربح السوق مشروطاً بالوصول الحصري إلى المعلومة والقرار. مرة جديدة، تنكشف «السوق الحرة» كوهم أيديولوجي. فالافتراس المنظّم للثروة العامة هو القاعدة الناظمة لهذا النظام/العالم الذي تحتكر فيه حفنة قليلة من المنحرفين الضوء في العلن وترتكب في العتمة ما تدّعي تحت ضوء الشمس أنها تحاربه. الرأسمالية النهّاشة هي رأسمالية النهاشة إذن. لا تنافس للرأسماليين في أسواق حرة بل سعي دائم إلى الاحتكار والتواطؤ على تقاسم الغنائم فيما تُحمَّل الأضرار حين تقع، على عاتق المجتمع بأسره. الدولة بدورها، ليست كياناً محايداً ينظم السوق، ذاك أنّ السياسيين يعملون جنباً إلى جنب مع كبار رجال الأعمال من أجل تسخير الاقتصاد بما يخدم مصالح هؤلاء الأثرياء والنخب. هذا أهم درس يلقّننا إياه كتاب بلايكلي: الرأسمالية ليست نظام منافسة وسوق حرة، بل منظومة افتراس منظَّم ونهش دائم.
تروي الفيلسوفة الفرنسية سيمون دو بوفوار في كتابها «قوّة الأشياء» أنّ سارتر حين سُئِل في إحدى المرات عن ماهية الشر، أجاب بإيجاز خاطف: «إنّ الشر هو الغباء». يشتغل الشرّ، وفقاً للتصور السارتري، عبر آلياتٍ قد تبدو عادية، مثل امتناع التفكير بتداعيات الفعل وأثره في «الآخر»، والبلادة الأخلاقية التي تتيح للأفعال الشريرة أن تمارس وتستمر بلا رادع ومساءلة. تستدعى مقولة سارتر عن غباء الشر هنا للتنبيه إلى أن الشرير لا يعمل وحده، بل بمشاركة الآخرين الذين علّقوا التفكير وفصلوا الفكر عن أي بُعد أخلاقي.
جيفري إبستين هو البطل الفاسد في روايةٍ ديستوبية تتفجّر بين سطورها وقائع فادحة. لكنه ليس حكاية معزولة عن باقي الشخوص. فالرواية تعجّ بالفاسقين الماجنين الذين يهندسون الاقتصاد ويرسمون السياسات من طوابقهم العليا في هذه المدينة الفاسدة التي غدت على نحوٍ مفزع شكل العالم نفسه. إذا كان جيفري إبستين يفضح شراً شيطانياً، فهو يفضح بذلك غباءً وجوديّاً جماعيّاً، مَهّد للأفعال الفادحة التي تخرج عن حدود المتخيّل الإنساني وجعلها تستمر. الجميع في تلك الجزيرة هم إبستنيون ملطخون بالسخام.
ورد تحليلٌ لأحدهم على منصّات التواصل الاجتماعي وكان لافتاً لا لأنه شكّك في «عبقرية» إبستين الذي أحاط نفسه بعلماء أحياء ورياضيات ولغات وغيرها من التخصّصات وعمل معهم فقط، بل لأنّ هذا التحليل يظهر أنّه يحمل شيئاً من الصواب بعد الكشف عن المراسلات مع ماندلسون. ذهب صاحب التحليل إلى أنّ إبستين لم يكن سوى فقاعة في عالمٍ تسود فيه قوّة المظهر والصورة ولا تحكمه المعرفة أو الذكاء. هو عالم تُدار فيه السلطة عبر العلاقات لا الأفكار. وقد نجح إبستين في بناء اللازم، وجلّ ما فعله هو القيل والقال، وبناء شبكة علاقات فعالة، والاستثمار اعتماداً على نصائح المقربين منه وإلى ما هنالك. هكذا، تُفهم «العبقرية» المزعومة لإبستين لا كنتاج ابتكار أو تفوّق معرفي، بل بوصفها وظيفة داخل منظومة نفوذ أوسع، حيث توظّف المعرفة كأداة ضمن اقتصاد المقايضة.
لعل فضائح إبستين غير الأخلاقية، أي تلك المتعلقة باستثماراته وبإدارته المالية وهندسته الاقتصادية لا تنال ما يكفي من الاهتمام اللازم، بل قد لا تعد فضائح أصلاً، إنّما تقدّم في جوهرها على أنها فضائل امتاز بها. على أنّ هذا الجانب الناجح والعبقري منه يبقى في النهاية، جانباً إبستينياً، وهو تمثيل مكثّف عن طبيعة العالم اليوم ومن يحكمه. لم تكن سوزان سونتاغ ترى الخطر في الشرّ بقدر ما تراه في تبريره. الاكتفاء بفضائح إبستين الجنسية الفادحة وإدانتها إنما هو إدانة منقوصة. تبرز ضرورة إدانة «الرأسمالية النهّاشة»، بالتوازي مع إدانة أفعاله الشيطانية، بوصفها الإطار الكبير الذي جعل هذه الممارسات ممكنة ومستمرة.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد