مستقبل الدفاع الأوروبي: استقلال ذاتي أم استمرار الارتهان لواشنطن في ظل سياسات ترامب؟


هذا الخبر بعنوان "أوروبا أمام اختبار الردع.. استقلال دفاعي أم اعتماد دائم على واشنطن" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تجد القارة الأوروبية نفسها أمام منعطف استراتيجي حاسم في طبيعة علاقاتها مع الولايات المتحدة، لا سيما مع تصاعد سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي أعادت طرح تساؤلات جوهرية حول مدى التزام واشنطن بالدفاع عن أوروبا.
أثارت تهديدات الرئيس ترامب المتكررة بسحب الضمانات الأمنية عن حلف شمال الأطلسي "الناتو"، بالإضافة إلى فرضه رسوماً جمركية وضغوطاً اقتصادية على الحلفاء الأوروبيين، مخاوف جدية بشأن استمرار الاعتماد شبه المطلق على الولايات المتحدة، خصوصاً في ظل التحديات المتزايدة من روسيا والصين. وفي هذا السياق، حذر الأمين العام للناتو، مارك روته، أمام البرلمان الأوروبي، من أن أوروبا غير قادرة على الدفاع عن نفسها دون الدعم الأمريكي، مشيراً إلى أن إنشاء قوة نووية أوروبية مستقلة يتطلب مضاعفة الإنفاق الدفاعي من 5 إلى 10 بالمئة من الناتج الداخلي الإجمالي، إلى جانب استثمارات ضخمة لبناء قدرات ردع نووي فعالة.
عودة ترامب المحتملة إلى البيت الأبيض أعادت التوتر إلى العلاقة الأوروبية الأمريكية، عبر تهديداته المتكررة لحلفاء الناتو بوقف الحماية الأمنية ما لم يرفعوا إنفاقهم الدفاعي. وبينما يرى بعض الخبراء أن هذه التصريحات قد تكون تكتيكاً لدفع الأوروبيين إلى تحمل مسؤوليات أكبر، إلا أنها عمقت الشكوك حول استمرارية الالتزام الأمريكي طويل الأمد، ودفعت الأوروبيين إلى التفكير بجدية في بناء منظومة دفاعية أكثر استقلالاً.
وسط هذه المخاوف، تتصدر فرنسا الجهود الرامية إلى تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية. فقد أطلق الرئيس إيمانويل ماكرون حواراً استراتيجياً لبحث توسيع نطاق الردع النووي الفرنسي ليشمل الحلفاء الأوروبيين، مع الحفاظ على القرار النووي ضمن السيادة الوطنية. وتهدف باريس إلى تقديم مظلة ردع جزئية تكمل الضمانات الأمريكية، وتمنح أوروبا هامشاً أكبر من الاستقلالية، مؤكدة أن الردع النووي أداة سياسية للثبات الاستراتيجي، وليس قوة هجومية مباشرة.
تواجه ألمانيا تحدياً مزدوجاً بين تراجع الثقة بالضمانات الأمريكية من جهة، والتزاماتها الدولية التي تمنعها من امتلاك سلاح نووي من جهة أخرى. وقد أظهر استطلاع أجراه معهد "فورسا"، أحد أبرز مؤسسات استطلاعات الرأي والبحوث الاجتماعية في ألمانيا، أن 64 بالمئة من الألمان يؤيدون إنشاء درع نووي أوروبي مستقل، ما يضع ضغوطاً على الحكومة لإعادة تقييم دورها الدفاعي. من جانبه، أعلن المستشار فريدريش ميرز عن نية برلين إجراء محادثات مع فرنسا وبريطانيا لبحث خيارات الردع المشترك، مع التركيز على تعزيز القدرات الدفاعية دون خرق المعاهدات الدولية.
يمثل الجانب الاقتصادي أحد أكبر التحديات أمام أي مشروع دفاعي أوروبي مستقل. فقد خصصت فرنسا 413 مليار يورو حتى عام 2030 لرفع جاهزية قواتها، وتحديث ترسانتها النووية وقدراتها السيبرانية. وتشير تقديرات أوروبية إلى أن تحقيق استقلال دفاعي فعلي يتطلب مرونة مالية إضافية، سواء عبر الديون طويلة الأجل أو زيادة الضرائب أو إعادة هيكلة الإنفاق المدني، بما يضمن عدم الإضرار بالنمو الاقتصادي والنموذج الاجتماعي الأوروبي.
بحسب مراقبين متخصصين في الشؤون الدفاعية الأوروبية، فإن المملكة المتحدة، رغم كونها قوة نووية رئيسية، لا تزال تعتمد جزئياً على الولايات المتحدة في صيانة صواريخها النووية، الأمر الذي يحد من استقلال قرارها الاستراتيجي. ويرى هؤلاء أن مساعي لندن لتعزيز تعاونها مع فرنسا، إلى جانب الشراكات المتنامية بين فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا، تشكل توجهاً واضحاً نحو بناء محور ردع أوروبي قادر على تحقيق قدر من الاستقلالية الدفاعية ضمن إطار الناتو، دون الانفصال عنه.
دفعت تهديدات ترامب الأخيرة دولاً مثل السويد، إلى فتح محادثات مع فرنسا وبريطانيا حول خيارات الردع النووي، رغم حساسية الملف داخلياً. فيما تدرس بعض الدول تطوير قدرات ردع تكتيكية محدودة لتعزيز قدرتها على الردع الذاتي. وفي المقابل، تواصل روسيا نشر أسلحة نووية هجومية في بيلاروسيا، بينما توسع الصين ترسانتها النووية في إطار منافستها مع الولايات المتحدة، ما يزيد الضغوط على أوروبا لتطوير دفاعات صاروخية ولوجستية أكثر تقدماً.
أثار سعي الولايات المتحدة لتوسيع وجودها في جزيرة غرينلاند، التابعة للسيادة الدنماركية، جدلاً واسعاً داخل أوروبا. وقد أكد الأمين العام للناتو أن القرار النهائي يعود للدنمارك وغرينلاند، ما يعكس حساسية الملف وأهميته الاستراتيجية في المحيط الأطلسي والقطب الشمالي. ويبرز هذا الملف أن الاستقلال الدفاعي الأوروبي لا يقتصر على القدرات العسكرية، بل يشمل إدارة ملفات جيوسياسية معقدة تتطلب تنسيقاً أوروبياً عالياً.
ويرجح محللون أن أوروبا باتت أمام خيارين متباينين: إما تعزيز استقلاليتها الدفاعية تدريجياً، أو استمرار الارتهان للمظلة الأمريكية. ويرون في الوقت نفسه أن نجاح فرنسا والمملكة المتحدة والسويد في بلورة استراتيجية دفاعية متكاملة قد يدفع الناتو إلى إعادة صياغة آليات الردع، بحيث تصبح الضمانات الأمريكية مكمّلة للمنظومة الأوروبية وليست ركيزتها الوحيدة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة