كواليس اللحظات الأخيرة: هروب بشار الأسد من دمشق وطاغية عاش في وهم الملكية


هذا الخبر بعنوان "عندما فر الطاغية الذي ظن نفسه انه الملك : سقوط بشار الأسد وكواليس اللحظات الأخيرة" نشر أولاً على موقع worldnews-sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في السابع من كانون الأول 2024، طُويت صفحة حكم بشار الأسد بطريقة لم يتوقعها أحد. لم يسقط في معركة، ولم يُسحل في الشوارع، بل اختفى ببساطة. أقلعته طائرة روسية نحو المجهول، تاركاً خلفه دولة منهارة وحاشية أصابها الذهول من جحوده. مجلة “ذي أتلانتيك” كشفت، من خلال شهادات نادرة لمقربين سابقين من القصر، صورة مركبة لرجل كان مهووساً بألعاب الفيديو والنساء، وعاش في خيال ملكي حتى اللحظة الأخيرة.
اللحظات الحاسمة: وداع صامت وسؤال متأخر
في فجر السبت، 7 كانون الأول 2024، تحديداً عند الساعة الثانية صباحاً، كانت دمشق غارقة في صمت مطبق، لا يقطعه سوى همهمة خفيفة أمام منزل الرئيس في حي المالكي. خرج بشار الأسد من الباب الأمامي، بلا خطاب أخير للشعب، ولا وداع. اكتفى بنظرة سريعة نحو سائقه الذي رافقه لسنوات، وطرح سؤالاً جاء متأخراً جداً: “وماذا عنكم أنتم؟ ألن تقاتلوا؟” وقف السائق، وهو رجل في أواسط العمر، عند باب السيارة، ولم ينطق بالكثير، لكن عينيه كانت كافية لتنقل رسالة: “أستتركنا حقاً؟” لم يُجب الأسد، بل استدار نحو الروس الذين كانوا بانتظاره، وابتلعه الظلام.
الطاغية الذي لم يصدق أحداً
بينما يسقط بعض الطغاة وهم يقاتلون، ويُسحل آخرون في الشوارع، ويموت البعض على فراشهم، أضاف بشار الأسد، الذي أشرف على ربع قرن من القمع والتعذيب، فصلاً جديداً في سجل الاستبداد: الهروب تحت جنح الظلام. هذا الهروب جاء بعد ساعات فقط من طمأنته لمعاونيه بأن النصر قادم. والأكثر إيلاماً لمن بقوا، أنه لم يخبر أحداً بقراره. في الليلة نفسها، كان بيان رسمي يؤكد أن الرئيس لا يزال في القصر يمارس “مهامه الدستورية”، بينما كان الأسد في الجو، متجهاً إلى موسكو. يقول إبراهيم حميدي، الصحفي والمحرر السوري: “حتى الآن، تجد من يصدق القذافي أو صدام. لكن لم أجد أحداً يصدق بشار الأسد. حتى شقيقه لم يعد يصدقه”.
“فيل ميت في الغرفة”
لم يكن السقوط وليد لحظة عابرة. صحيح أن انسحاب الروس والإيرانيين كشف هشاشة النظام، لكن الذين عايشوا الأسد عن قرب يروون قصة مختلفة. قصة رجل منعزل، مهووس بألعاب الفيديو على هاتفه، يمضي ساعات يلعب Candy Crush بينما بلده ينهار. رجل أحاط نفسه بدائرة مصغرة من المتملقين، وهمّش كل من كان بإمكانه إنقاذه. خالد الأحمد، أحد المستشارين السابقين في القصر، يصفه بمرارة: “صار كفيل ميت في الغرفة. واقع فج يتحاشى الجميع الحديث عنه”.
فرص ضائعة وتكبر غريب
كان بوسع الأسد إنقاذ نفسه. دول الخليج مدّت له يدها أكثر من مرة. الإمارات فتحت سفارتها في 2018، وعرضت عليه شرطاً واحداً: الابتعاد عن إيران. حتى واشنطن، في عهد ترامب وبايدن، كانت مستعدة للتفاوض. العرض الأميركي كان واضحاً: رفع العقوبات وسحب الجنود، مقابل الكشف عن مصير الصحافي أوستن تايس. لكن الأسد رفض، كل ذلك لأن ترامب وصفه بـ”الحيوان” قبل سنوات. يقول عباس إبراهيم، رئيس الأمن العام اللبناني السابق الذي توسط في المفاوضات: “كانت فرصة ذهبية. بومبيو كان مستعداً للسفر بطائرة خاصة ومصافحة أي شخص. لكن الأسد أضاعها. تكبراً؟ غباء؟ لا أدري”.
“نشوة النصر” والوهم الإيراني
ربما كان أكثر ما أفقد الأسد صوابه هو “النصر” الوهمي الذي حققه في 2017-2018. بفضل الطائرات الروسية والميليشيات الإيرانية، استعاد المدن الكبرى. لكنه نسي أن النصر كان أجوف. البلد كان ركاماً، والاقتصاد عند الصفر، والعقوبات تخنق الناس. الجيش كان يتقاضى رواتب لا تتجاوز عشرة دولارات شهرياً. حتى ضباط الحرس الجمهوري، المكلفون بحماية العائلة، كانوا يقضون أوقات فراغهم يبيعون الفواكه والسجائر في الشوارع. ومع ذلك، كان الأسد يعيش في عالم آخر. يقول مسؤول سابق في حزب الله أمضى سنوات في سوريا: “كان بشار يقول لنفسه: الإيرانيون بحاجتي، والروس لا خيار أمامهم، فأنا الملك”. وعندما نصحه الإيرانيون والروس بإصلاحات رمزية لكسب شرعية دولية، كان يماطل ويكذب. محمد جواد ظريفي، وزير الخارجية الإيراني الأسبق، قال عنه في مقابلة: “كان سكراناً بنشوة النصر. لم يعد يسمع أحداً”.
الجنس، الكبتاغون، ولونة الشبل في القصر
في القصر، كان للأسد عالمه الخاص. عالم من العزلة الباذخة، حيث تختلط ممارسة السلطة بممارسة الجنس. لونة الشبل، الصحفية السابقة في الجزائر، لم تكن فقط عشيقته، بل كانت “جيستر” القصر، من تأتي له بالنساء، حتى من زوجات ضباطه. في تسريب صادم نشر في كانون الأول الماضي، نسمع الأسد والشبل وهما يضحكان مستخفين بالسوريين. أثناء مروره بالسيارة في ريف دمشق، يقول عن الناس الذين يراهم في الشارع: “إنهم يصرفون المال على الجوامع، وليس لديهم ما يكفيهم ليأكلوا”. هذا من رجل حوّل سوريا إلى أكبر دولة مخدرات في المنطقة. الكبتاغون، الذي أشرف شقيقه ماهر على تصنيعه وتهريبه، درّ على العائلة مليارات الدولارات، وأغرق الأردن والخليج بأزمة إدمان. ثم ماتت الشبل في ظروف غامضة صيف 2024. رسمياً: حادث سير. غير رسمي: مصادر استخبارية تقول إن الأسد أمر بقتلها لأنها صارت تعمل لصالح الروس. الحقيقة قد لا نعرفها أبداً.
“أدوات النظام الملكي”
في سنواته الأخيرة، أصيب الأسد بهوس غريب: أراد أن يصبح ملكاً. ليس رئيساً بالمعنى الديمقراطي المحدود الصلاحيات، بل مالكاً للدولة. في مقابلة مع صحفي روسي قبل سقوطه بشهور، قال وهو يبتسم باحتقار: “الرؤساء في الغرب مجرد مدراء تنفيذيين. ليسوا ملاكاً”. كان يظن أن بوتين وحكام الخليج أقوياء لأنهم يمتلكون ما أسماه “أدوات النظام الملكي”: احتياطي نقدي ضخم يسمح لهم بشراء الولاءات ودعم الميليشيات. لم يفهم أن القوة الحقيقية تصنعها المؤسسات، لا المال وحده. لجأ إلى “أدواته الملكية” في أيامه الأخيرة. أعلن عن رواتب ضخمة للمتطوعين القادرين على إعادة تشكيل ميليشيات الدفاع. لكن الجنود العاديين، الذين أمضوا سنين بلا رواتب، استشاطوا غضباً. كان القرار بمثابة اعتراف رسمي بأنهم كانوا طوال الوقت مجرد وقود حرب يُستهلك ثم يُنسى.
خيانة أخيرة: “أستتركنا حقاً؟”
في 7 كانون الأول، عندما كان الثوار على أبواب دمشق، عقد وزراء خارجية روسيا وسبع دول عربية اجتماعاً طارئاً في الدوحة. الكل أراد إنقاذ الأسد، والكل كان بحاجة لموافقته على انتقال سياسي منظم، لكن أحداً لم يستطع الوصول إليه؛ هاتفه مغلق، لقد اختفى. عند السادسة مساءً، عاد إلى بيته في المالكي، وبدا هادئاً. طمأن ابن عمه إيهاب مخلوف: لا قلق، الإماراتيون والسعوديون سينقذون الموقف. بعد ساعات، قُتل مخلوف برصاصة أثناء محاولته الفرار إلى لبنان. عند الثامنة: سقطت حمص. عند الحادية عشرة: وصل منصور عزام، أحد كبار معاونيه، مع مجموعة من المسؤولين الروس. دخلوا في غرفة مغلقة، ويعتقد أحد الحاضرين أن الروس أرغموه على مشاهدة فيديوهات تثبت انهيار جيشه. عند الواحدة صباحاً: فرّ مؤيدو النظام من العاصمة إلى الساحل. عند الثانية: خرج الأسد. طلب تجهيز سيارات صغيرة، وحزم بعض متعلقاته بسرعة. أخبر مرافقيه أن الروس بانتظاره. حتى تلك اللحظة، ظن كثيرون في حاشيته أنه متوجه إلى القصر لإلقاء خطاب، كانوا لا يزالون يصدقون أنه مقاتل. عند الباب، وقف سائقه، الرجل الذي قضى سنوات يقود سيارة الرئيس. نظر إليه نظرة خيبة لا تُنسى، ثم سأل السؤال الذي سيبقى عالقاً في ذاكرة كل من سمع به: “أستتركنا حقاً؟” فنظر الأسد إليه. لم يعتذر، ولم يفسر، بل رمى المسؤولية على من بقوا: “وماذا عنكم أنتم؟ ألن تقاتلوا؟” ثم استدار نحو الطائرة الروسية. انتهى الحلم الدموي الذي دام 25 عاماً، ليس بموقف بطولي، بل بجملة هي أقرب إلى التبرير منها إلى الوداع.
درس أخير
عندما يسقط الطغاة، نحاول أن نتصور لحظة جلاء يدركون فيها حقيقة ما فعلوه. مشهد تراجيدي، كأوديب يفقأ عينيه، أو ماكبث يهيم في البراري. لكن الأسد لم يكن أوديب ولا ماكبث. كان مجرد رجل لم يتعلم أبداً أن السلطة مسؤولية، لا متاعاً. أن الدولة تُبنى بالقدوة، لا بالخوف وحده. وأن الذين يظنون أنهم يستطيعون امتلاك بلد، ينتهي بهم الأمر إلى فقدان كل شيء. حتى اسمهم، وحتى كرامتهم الوهمية. الدرس الذي تركه بشار الأسد لسوريا والمنطقة قديم قدم التاريخ، لكنه يظل صادقاً: مهما طال ليل الاستبداد، الفجر قادم. ومهما علا صوت القمع، صرخة الحرية لا تُكتم. وفي النهاية، لا يبقى من الطغاة إلا جبنهم. وسؤال واحد عالق في الهواء: “أستتركنا حقاً؟”
اقتصاد
سياسة
سياسة
سياسة