الحسكة: تعيين محافظ جديد وتفاهمات ميونخ تثير قلقاً وجودياً وتحذيرات من المساس بالتوازن المجتمعي


هذا الخبر بعنوان "الحسكة ليست غنيمة تفاوض ومن يختبر صبر الجزيرة يفتح أبواب المجهول" نشر أولاً على موقع zamanalwsl وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتجاوز قضية الحسكة مجرد مرسوم إداري عابر أو صورة بروتوكولية التقطت في أروقة مؤتمر دولي، لتطرح سؤالاً وجودياً على أبناء المحافظة حول حق تقرير مصير أرضهم ومن يملك تفويضاً بذلك. لم يمر المرسوم الصادر بتوقيع الرئيس أحمد الشرع، والقاضي بتعيين نور الدين عيسى أحمد محافظاً للحسكة، كخبر إداري اعتيادي. فالاسم يرتبط بقيادة سابقة في قوات سوريا الديمقراطية، وبإدارة سجن "علايا" في القامشلي، وهي مرحلة لا تزال تثير ذكريات الاعتقالات والانتهاكات لدى الكثيرين.
إن نقل شخص من موقع أمني مثير للجدل إلى موقع مدني أعلى في المحافظة ذاتها يحمل رسالة سياسية أقوى من أي تبرير إداري. وفي الخلفية، لا تقل صورة ميونخ دلالة، حيث ظهر مظلوم عبدي إلى جانب إلهام أحمد ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في أروقة مؤتمر ميونخ للأمن. هذه الصورة أشارت إلى مسار يُرسم وتفاهمات تتبلور، لكن السؤال الذي بقي معلقاً في الحسكة هو: هل تمثل هذه اللقاءات جميع مكونات الجزيرة، أم أنها تعيد تعريفها من خلال طرف مسلح واحد؟
لم تكن الجزيرة يوماً أرضاً أحادية اللون. فهي منطقة ذات غالبية عربية تاريخياً، إلى جانب حضور سرياني/آشوري عريق، ومكون كردي تعزز حضوره بقوة خلال القرن العشرين نتيجة موجات لجوء من جنوب تركيا في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي. هذه الحقيقة لا تستخدم لنفي وجود أحد، بل تمنع اختزال المحافظة في رواية واحدة أو قوة واحدة. أي اتفاق يمنح نفوذاً سياسياً أو أمنياً واسعاً لفصيل مسلح دون ضمانات دستورية واضحة ومحاسبة شفافة عن المرحلة السابقة، سينظر إليه على أنه إعادة توزيع للسلطة فوق رؤوس السكان، وليس شراكة وطنية جامعة.
حتى اللحظة، لم يُعرض نص تفصيلي كامل للاتفاق المعلن بين الدولة و"قسد" بصيغة منشورة للرأي العام تشرح بدقة آليات الدمج، وسقف الصلاحيات، وضمانات الحقوق، ومسار المحاسبة. هذا الغموض هو الوقود الأخطر في بيئة متوترة. وحين يترافق الغموض مع تقارير يومية عن حملات دهم، وتفتيش هواتف، واعتقالات، وضغط أمني في أحياء ذات غالبية عربية، فإن أي حديث عن استقرار يفقد معناه العملي. فالشرعية لا تقاس بالتصفيق الدبلوماسي، بل بشعور المواطن بالأمان في بيته وشارعه ومسجده وكنيسته.
الأخطر أن المزاج الشعبي في أوساط عشائرية واجتماعية داخل الجزيرة لم يعد يحتمل رسائل ملتبسة. هناك قلق يتصاعد، وهناك تحذيرات واضحة من أن أي خطوة تُفهم باعتبارها تخلياً عن التوازن المجتمعي أو تسليماً لقرار المحافظة إلى طرف واحد ستقابل برفض واسع. ليس لأن الناس تبحث عن صدام، بل لأنهم يخشون أن يتحول الاتفاق إلى مظلة قانونية لإدامة نفوذ يخضعهم لسلطة لا يثقون بها. في بيئة كهذه، يكفي خطأ سياسي واحد غير محسوب ليدفع الأمور إلى مسارات لا يريدها أحد.
وإذا كان الهدف المعلن هو وحدة الدولة، فالوحدة لا تُبنى بإعادة إنتاج مخاوف الناس، ولا بتجاهل ذاكرة السنوات الماضية، ولا بتمرير ترتيبات كبرى عبر صور وبيانات مقتضبة. الوحدة تُبنى بعقد اجتماعي واضح، بضمانات مكتوبة، بتمثيل حقيقي لكل المكونات، وبفصل صارم بين العمل العسكري والإدارة المدنية. ما دون ذلك سيبدو وكأنه صفقة سياسية أكثر منه مشروع استقرار. الحسكة ليست ورقة تفاوض تُحسم في ميونيخ، وليست منصباً يُختزل بمرسوم. هي أرض لها مجتمع حي وذاكرة وتوازنات دقيقة. ومن يظن أن بإمكانه إعادة رسمها من فوق، دون موافقة أهلها وثقتهم، إنما يختبر صبر منطقة أثبتت عبر تاريخها أن الاستقرار فيها لا يُفرض، بل يُبنى. ريم الناصر - زمان الوصل
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة