يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب اختباراً مصيرياً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، وهو تحدٍ لا يقتصر على تأمين أغلبية الحزب الجمهوري في الكونغرس، بل يمتد ليشمل شرعية سياساته الاقتصادية والسياسية. في ظل ضغوط متزايدة من الدين العام وارتفاع التضخم وتكاليف المعيشة التي تثقل كاهل المواطن الأميركي، يسعى البيت الأبيض جاهداً لتحويل قضايا السياسة الخارجية الشائكة، من ملف غزة إلى الأزمة الأوكرانية، إلى 'انتصارات تجارية' ملموسة. يطرح هذا تساؤلاً جوهرياً: هل ستنجح استراتيجية 'دبلوماسية الصفقات' في تقديم حلول سريعة للأزمات الداخلية، أم أن الناخب الأميركي سيبقى وفياً لمعيار 'الجيب' بعيداً عن بريق الإنجازات الدولية؟
أولاً: التحديات التي تواجه ترامب وحزبه الجمهوري
رغم السيطرة الحالية للجمهوريين على الكونغرس، إلا أن الأغلبية الهشة التي يحوزون عليها تواجه اختبارات قاسية:
- اختبار مواجهة تراجع الشعبية: تشير استطلاعات الرأي الأخيرة (بداية 2026) إلى تراجع في معدلات الرضا عن أداء ترامب لتصل إلى مستويات حرجة بلغت حوالي 36 ـ 39%، مدفوعة بشكل أساسي بالقلق من تكاليف المعيشة.
- اختبار معالجة الانقسام الحزبي الداخلي: بدأت تظهر تصدّعات داخل الحزب الجمهوري؛ فبينما يصرّ ترامب على 'الولاء الكامل' ويهدّد بمعاقبة المعارضين في الانتخابات التمهيدية، يخشى نواب المناطق المتأرجحة من أن سياسات مثل 'الرسوم الجمركية المرتفعة' وتقليص الإنفاق الاجتماعي قد تكلفهم مقاعدهم.
- اختبار مواجهة القاعدة التاريخية: أكدت التجربة التاريخية أن الحزب الحاكم غالباً ما يخسر مقاعد في الانتخابات النصفية، ولهذا يستعد الديمقراطيون لاستغلال 'الاستقطاب الحاد' لقلب الطاولة في مجلس النواب.
ثانياً: هل ينجح رهان ترامب بتحقيق إنجاز خارجي يترجم اقتصادياً؟
يسعى ترامب إلى صياغة انتصارات في السياسة الخارجية لترجمتها إلى مكاسب اقتصادية سريعة، وأبرز ملامح ذلك:
- ملفا غزة وأوكرانيا: يحاول ترامب تقديم نفسه كـ 'صانع سلام'. ورغم حديثه عن 'تقدّم هائل' في وقف إطلاق النار بغزة، إلا أن النتائج على الأرض لا تزال توصف بـ 'الهشة'، والناخب الأميركي لا يشعر بعد بأثر هذه الاتفاقات على أوضاعه المعيشية التي تزداد تدهوراً. أما محاولات ترامب لإنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا لاستثماره اقتصادياً، فإنه لا يزال يواجه عقبات رفض كييف، بدعم من معظم الدول الأوروبية، القبول بالشروط الروسية.
- الحروب التجارية والرسوم: يراهن ترامب على أن فرض رسوم جمركية واسعة سوف يؤدّي إلى إنعاش الاقتصاد وتوفير فرص العمل للحدّ من نسب البطالة في أميركا، ويحقق التوازن التجاري. لكن المؤشرات الحالية تفيد بأن هذه الرسوم تسبّبت في 'صدمات' لسلاسل الإمداد، مما أبقى معدلات التضخم مرتفعة نسبياً، وهو ما أثار استياء حتى حلفائه المقرّبين.
- استخدام مراجعة اتفاقية التجارة مع كندا والمكسيك في 2026: يستخدم ترامب هذه المراجعة كورقة ضغط، لكن تبيّن أنها سلاح ذو حدين قد يؤدي لعدم استقرار الأسواق إذا لم تُدر بدقة.
ثالثاً: هل سينجح ترامب في رهانه على إنجازات خارجية؟
الإجابة تعتمد على 'عنصر الوقت' و'ردّ فعل الأسواق':
- فرص النجاح: إذا تمكن ترامب من خفض أسعار الفائدة عبر الضغط على البنك الاحتياطي الفيدرالي (وهو ما يسعى إليه بقوة حالياً)، وشعر المواطن الأميركي بانخفاض حقيقي في أسعار الوقود والغذاء قبل الصيف، فقد ينجو الحزب الجمهوري من الهزيمة.
- عقبات الفشل: السياسة الخارجية القائمة على 'الصفقات الفردية' بدلاً من العقود المستدامة تجعل الإنجازات عرضة للانهيار السريع. كما أن التركيز على 'إنجازات رمزية' (مثل السعي لجائزة نوبل) يقابله انتقاد داخلي بأن 'أميركا أولاً' يجب أن تعني 'المعيشة أولاً'.
خلاصة القول: يخوض ترامب مقامرة كبرى، فهو يراهن على أن الناخب الأميركي سيغفر له حدة خطابه السياسي، ويغضّ النظر عن فضيحة إبستين، إذا تحسّن الاقتصاد والوضع المعيشي. ولكن حتى الآن، فإن الفجوة بين وعود الازدهار وواقع التضخم لا تزال هي السائدة. وإذا ما استمرت هذه الفجوة، سوف يستفيد منها الديمقراطيون لتحقيق الفوز في الانتخابات النصفية، مما يمكنهم من استعادة سيطرتهم على مجلسي النواب والشيوخ. الأمر الذي سيشكل، في حال حصوله، هزيمة قاسية لترامب تضعف من حكمه في السنتين المتبقيتين من ولايته.
حسن حردان (أخبار سوريا الوطن1-الكاتب)