ملف المعلمين المفصولين في سوريا: هل تعويض الـ 40% والعقود المؤقتة إنصاف أم ترحيل لأزمة عميقة؟


هذا الخبر بعنوان "40 % لا تعيد الكرامة: من الإقصاء إلى العقود المؤقتة وملف المعلمين لم يغلق بعد" نشر أولاً على موقع zamanalwsl وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لا يمكن تسويق قرار صرف 40% من الأجر الشهري تحت مسمى "تعويض طبيعة عمل" للمعلمين المفصولين بسبب الثورة كإنصاف تاريخي، لأنه ببساطة لا يرقى إلى ذلك. إنها معالجة مالية جزئية لملف سياسي إداري عميق، ومحاولة لإغلاق جرح مفتوح بضماد رقيق. القضية تتجاوز مجرد نسبة مئوية، فهي تتعلق بمركز قانوني سُلب، ومسار مهني قُطع، واعتبار وظيفي لم يُستعد.
الأخطر من ذلك أن من بلغوا سن التقاعد وهم خارج الملاك ما زالوا على هامش أي تسوية حقيقية. هؤلاء خسروا سنوات خدمة، ودرجات، واستقراراً وظيفياً، ثم طويت صفحاتهم بصمت لأنهم تقدموا في العمر وهم ينتظرون العدالة. فهل يقبل أي منطق إداري أن يُحرم موظف من حقوقه لأنه شاخ قبل أن ينصف؟ إن إعادة التثبيت، واحتساب الخدمة بأثر رجعي، وتسوية التقاعد، وجبر الضرر الكامل ليست مطالب عاطفية، بل هي استحقاقات قانونية بديهية في أي دولة تحترم مؤسساتها.
المعلم الذي صدر بحقه قرار فصل عام 2013 لم يُقصَ بسبب خلل مهني، بل بسبب موقف. وإذا كان الإقصاء سياسياً في جوهره، فإن معالجته يجب أن تكون قانونية شاملة، لا عقداً موقتاً ولا تعويضاً جزئياً. صرف بدل مالي لا يعيد الصفة الوظيفية الدائمة، ولا يحتسب سنوات الفصل القسري ضمن الخدمة، ولا يصلح الضرر التراكمي الذي طال الأقدمية والتقاعد والاستقرار المهني.
للتذكير، فإن قرارات الفصل الصادرة في تلك المرحلة، ومنها القرار رقم 1067 بتاريخ 23/7/2013، لم تكن حالات فردية معزولة، بل طالت أسماء معروفة في الوسط التعليمي، من معلمين ومديري مدارس وعاملين، بينهم: سيف أحمد الموح، أسعد على الظاهر، محيى نايف الضيف، عبد الحميد عايد الضيف، متعب عبدالعزيز الضيف، علي سند الخلف، عبدالكريم غضبان الأحمد المبروك، أحمد محمد سعيد الضيف (مدير مدرسة)، علي محمد سعيد الضيف (مدير مدرسة)، عبدالحكيم فيصل الضيف، محمد عبدالله الشلش، عبد المجيد سطام الضيف، عبداللطيف سطام الضيف، محمد علي المحمد، أحمد حسن إبراهيم الشيخ موسى، إبراهيم عيسى العيسى الدريع، إسماعيل عبيد بن ذياب، وغيرهم ممن طالتهم قرارات الإقصاء في تلك المرحلة. هؤلاء لم يكونوا طارئين على العملية التعليمية، بل كانوا جزءاً من بنيتها، وأُخرجوا منها بقرار إداري واضح، ما يجعل معالجة أوضاعهم اليوم مسؤولية قانونية لا خياراً إدارياً.
واليوم، وبعد سنوات من الانتظار والاحتجاج، عُرض على بعضهم العودة عبر عقود مؤقتة، وفي مدارس ريفية أحياناً، بصيغة انتقالية لا تعكس إعادة تثبيت كاملة ولا تعيد المركز القانوني السابق. وكأن المطلوب منهم أن يبدأوا من جديد، لا أن تُصحح أوضاعهم كما لو أن الفصل لم يكن. هذه ليست إعادة اعتبار، بل إدارة مؤقتة لملف دائم.
لكن المشكلة لا تقف عند حدود المفصولين. فالخلل أوسع من ذلك. فبحسب شهادات متداولة من داخل الرقة، هناك اتهامات خطيرة تتعلق بطريقة إدارة الشواغر والتعيينات داخل بعض المؤسسات التربوية. أحد المعلمين تحدث عن محسوبيات واضحة، حيث يقال لخريج جامعي "لا يوجد شاغر"، بينما تمنح الفرص لاعتبارات القرابة أو العلاقات الشخصية، بعيداً عن معيار الكفاءة والاستحقاق. وتتردد كذلك مزاعم عن وجود مقابل مالي للحصول على شاغر، وعن تفاوت في المقابل بحسب طبيعة الفرصة. هذه ادعاءات لا يجوز تجاهلها أو التعامل معها كأحاديث عابرة، لأنها إن صحت تمس جوهر النزاهة الإدارية.
الأسوأ من ذلك ما نُقل عن محاولة استغلال حاجة بعض المتقدمات للعمل عبر طلب أرقام هواتف أو تلميحات غير لائقة مقابل وعد بشاغر. إن ثبت أي من ذلك، فنحن أمام خلل أخلاقي وإداري يستوجب مساءلة فورية لا تبريراً. ذكر هذه الشهادات ليس بهدف التشهير، بل بهدف المطالبة بتحقيق رسمي شفاف ومستقل. لأن العدالة في ملف المفصولين لا يمكن أن تنفصل عن العدالة في إدارة التعيينات الحالية.
لا معنى لإعادة بعض المعلمين بعقود مؤقتة، فيما تدار الشواغر بمنطق العلاقات والترضيات. ولا قيمة لأي تعويض مالي إذا بقيت بيئة العمل نفسها خاضعة للشللية والتحزبات. الإنصاف الحقيقي يعني أمرين متلازمين: إعادة الاعتبار الوظيفي الكامل لمن فُصلوا بسبب مواقفهم، ومراجعة شاملة لآلية التعيين والتثبيت، بما يشمل تدقيق الشهادات الجامعية وتثبيت من يستوفي الشروط القانونية فقط، دون استثناءات أو ضغوط. التعليم ليس ساحة للمجاملات، ولا بوابة لمكافأة المقربين، ولا فرصة لابتزاز الباحثين عن عمل. هو مؤسسة دولة. وإذا لم تدار وفق القانون والشفافية، فإن كل قرار تعويض سيبقى رقماً معزولاً في ورقة رسمية، بينما يبقى الخلل قائماً في العمق. الملف لم يغلق. ولا يغلق بقرار مالي، بل بإصلاح جذري يعيد الحق إلى أصحابه، ويضع حداً لكل ما يشوه معنى الوظيفة العامة. ريم الناصر - زمان الوصل
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة