المطبخ السوري مرآة للواقع المعيشي الصعب: وجبات الشتاء تتغير مع تدهور القدرة الشرائية


هذا الخبر بعنوان "وجبات الشتاء تغيرت.. المطبخ السوري مرآة الوضع المعيشي" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم تعد وجبات الشتاء التقليدية في البيوت السورية تُحضَّر بالطريقة التي اعتادتها العائلات على مدى العقود الماضية. فمع الارتفاع المستمر في أسعار اللحوم والتراجع الحاد في القدرة الشرائية، اضطر الكثيرون إلى تعديل وصفاتهم التقليدية، أو الاستغناء عن بعض مكوناتها الأساسية، والبحث عن بدائل أقل تكلفة.
في هذا السياق، تروي أم محمد، البالغة من العمر 49 عاماً وتعمل كربة منزل، لـ سناك سوري أن وجبة الفاصولياء، التي كانت تُطهى سابقاً باللحم، أصبحت اليوم تُحضَّر «بالثوم والبهارات فقط، أو مع شرحات الدجاج إن توفرت». وتضيف أن شراء اللحم أصبح «للطعم لا للشبع»، حيث تُضاف كمية صغيرة جداً منه إلى الطبخة أحياناً.
تتراوح أسعار كيلو اللحم في سوريا بين 140 إلى 160 ألف ليرة للعجل، وبين 150 وحتى 200 ألف ليرة للخروف، بينما تبلغ أسعار شرحات الدجاج بين 45 إلى 50 ألف ليرة. وتكلف طبخة الفاصوليا مع اللحم نحو 95 ألف ليرة، موزعة على 20 ألف ليرة لكيلو الفاصوليا، 50 ألف ليرة للحم، 10 آلاف ليرة للثوم ودبس البندورة، و15 ألف ليرة لكيلو الأرز، بالإضافة إلى كلفة السمن والشعيرية.
هذا التغيير ينسحب أيضاً على وجبة الملفوف الأبيض (اليخنة)، التي تُحضَّر اليوم في العديد من المنازل بالثوم والزيت والبهارات، مع الاستغناء عن اللحم أو تقليصه إلى حده الأدنى، في محاولة لخفض التكلفة مع الحفاظ على وجود الطبق على المائدة.
أما الكشك، أحد أشهر أطباق الشتاء في سوريا، فقد خرج بدوره من دائرة «الوجبات الكاملة»، بعد أن كان يُطبخ مع اللحم والدهن أو القاورما. تقول سعاد، البالغة 55 عاماً من ريف دمشق: «صرنا نطبخه مع البصل وبعض البهارات فقط، اللحم لم يعد خياراً».
مع تقلص الاعتماد على اللحوم في فصل يحتاج إلى طعام مشبع يبعث الدفء، اتجهت عائلات كثيرة إلى الخضار الموسمية وأكلات الزيت، مثل الفول المقلي بدلاً من الأرز مع اللحم، و الكوسا على نعنع، ومقلاية الكوسا، وكذلك مجدرة البرغل أو الأرز كحلول أقل كلفة لتأمين وجبات يومية.
هذا التحول في المطبخ يعكس واقعاً معيشياً أوسع في سوريا. فالحكومة كانت قد أعلنت العام الفائت عن زيادة الرواتب بنسبة 200%، ليبلغ متوسط الراتب نحو 850 ألف ليرة سورية. إلا أن هذه الزيادة لم تنعكس تحسناً ملموساً على حياة كثير من الأسر، خصوصاً مع فقدان عدد من النساء والرجال رواتبهم نتيجة الفصل، وتأخر صرف رواتب بعض الموظفين لأشهر، إلى جانب رفع أسعار الكهرباء، حيث باتت فاتورة الكهرباء تتجاوز الراتب في بعض الأحيان.
في أيلول الفائت، سجل «مؤشر قاسيون لتكاليف المعيشة» ارتفاعاً في تكاليف جميع الضروريات الأساسية لمعيشة أسرة سورية مكونة من خمسة أفراد، ليبلغ وسطي التكاليف نحو 11.3 مليون ليرة سورية، فيما قُدِّر الحد الأدنى لتكاليف المعيشة بأكثر من 7.1 ملايين ليرة. ورغم زيادة الأجور الرسمية، فإنها لا تغطي سوى نحو ثلاثة أيام من حاجة الأسرة للاستهلاك بالحد الأدنى، ما يعكس فجوة واسعة بين الدخل والإنفاق الضروري، تتفاقم مع عدم انتظام الرواتب وارتفاع معدلات البطالة.
في الأرياف، لا تبدو الصورة أفضل كثيراً. فرغم توفر بعض البدائل الطبيعية، عاد سكان عدد من المناطق للاعتماد على النباتات البرية كجزء من وجبات الشتاء. ففي ريف السويداء، يعتمد الأهالي على نبات الدردار الذي يُجمع من الأراضي المحيطة بالمنازل، ويُسلق ويُتبل بالثوم والملح والحامض. وفي الساحل السوري و الجزيرة، تنتشر الخبيزة والهندباء، وتُعد خياراً رئيسياً لدى كثير من العائلات.
تقول نائلة، البالغة 43 عاماً من إحدى قرى الساحل، إن الخبيزة «تنقذ النساء من الحيرة اليومية»، مشيرة إلى أن ملعقتين من الزيت مع قليل من البصل كفيلة بتحضير وجبة تكفي العائلة، في ظل قلة الخيارات وارتفاع الأسعار.
قبل عام، قال برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إن تسعة من كل عشرة أشخاص في سوريا يعيشون في فقر، وإن واحداً من كل أربعة عاطل عن العمل. وبين هذه الأرقام، ووجبات الشتاء التي فقدت دسامتها، تتشكل يومياً قصة المعيشة في بيوت السوريين، حيث لم يعد السؤال ماذا سنطبخ؟ بل ماذا يمكننا أن نطبخ بما نملك؟
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي