هوية معلقة في الشتات: السوريون بين حنين الوطن وواقع اللجوء المزدوج


هذا الخبر بعنوان "هوية معلقة.. السوريون في الشتات بين حنين الوطن واغتراب اللجوء" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تستيقظ مريم البغدادي كل صباح في إسطنبول، عند السابعة، لتبدأ يوماً يشبه الأيام التي عاشتها لسنوات. تفتح نافذة منزلها المطلة على الشارع، بينما يهرب خيالها إلى سماء دمشق، وتصف لحظتها قائلة: "أستيقظ كل صباح على صوت أذان مختلف، ورائحة قهوة مختلفة، وحياة لا تشبه تلك التي تركتها خلفي". غادرت مريم سوريا في السابعة عشرة من عمرها، وتعيش اليوم في تركيا، محاولة التوفيق بين عالمين: الأول الذي تحمله في ذاكرتها وحنينها، والثاني الذي تعيشه في واقعها اليومي. تروي لـ "الثورة السورية" أن لحظة الرحيل لا تغادر ذاكرتها أبداً، وأن حياتها في بلد اللجوء كانت صعبة في البداية بسبب اختلاف اللغة والبيئة الاجتماعية، ما جعلها تشعر بفقدان جزء من كيانها، وتعيش اليوم "حالة مزدوجة بين عالمين، أحاول بكل الطرق التوفيق بينهما دون أن أشعر بانتماء كامل لأي منهما".
تقدم مريم البغدادي، ذات الأربعة وعشرين عاماً، نموذجاً لآلاف الشباب السوري الذين اضطروا لبناء حياة جديدة في بلاد لا تشبه بلادهم. توضح لـ "الثورة السورية" أن حياتها في تركيا "أصبحت مستقرة نوعاً ما، تعلمت اللغة، والتحقت بالجامعة، وكونت صداقات"، لكن السؤال الذي يلازمها دائماً هو: "أين بيتي الحقيقي؟". تعترف مريم بأنها تعيش "حالة من التشتت الوجداني"، فالغربة منحتها فرصاً لكنها سلبتها شيئاً أثمن، وتقول: "أفتقد دفء العائلة الكبيرة، وطقوس الأعياد في دمشق، ورائحة الياسمين التي كانت تملأ شرفة منزلنا".
على النقيض، يحمل علي البلخي، العائد حديثاً من ألمانيا إلى سوريا، تجربة مختلفة لكنها تتضمن التناقض ذاته. يروي لـ "الثورة السورية" أن تجربته في اللجوء كانت "رحلة طويلة من المحاولات للتعايش مع واقعين مختلفين". ويضيف: "السنوات التي قضيتها في ألمانيا منحتني شعوراً بالأمان والاستقرار، وفتحت أمامي آفاقاً واسعة من العلم والعمل". وعلى الرغم من ذلك، بقيت سوريا الأم حاضرة في وجدان البلخي، ويوضح أن قرار العودة لم يكن سهلاً، معترفاً بأن "الحنين إلى المكان الذي ولدت وترعرعت فيه كان الدافع الخفي للعودة". لكنه سرعان ما اكتشف أن الحياة في سوريا بعد الغربة تختلف كثيراً عما توقعه، إذ يعيش مشاعر متناقضة بين الفرح بالرجوع إلى الوطن والقلق من صعوبة البدايات. ورغم أن "الحياة هنا أكثر قرباً إلى الروح، لكنها تفتقر للكثير من الخدمات والاستقرار الذي اعتدت عليه هناك"، يؤكد أن "الحياة في ألمانيا ستبقى جزءاً من ذاكرتي، لكنها لن تكون بديلاً عن انتمائي الأساسي".
من كندا، تقدم دينا الرفاعي، المقيمة هناك منذ سنوات، زاوية أخرى لهذه المعادلة الصعبة. تصف في حديثها لـ "الثورة السورية" الحياة في المغترب بأنها "مزيج من الاكتساب والفقد". لا تنكر دينا أن الغربة قدمت لها فرصاً تعليمية ومهارات جديدة، لكنها في الوقت ذاته عمقت "شعوري بالحنين إلى دفء البيت السوري". وتوضح أنها تعيش حالة من "الانقسام الداخلي" كلما فكرت في مستقبلها، فأحياناً "أشعر أنني لن أنتمي بشكل كامل إلى أي مكان، وسأظل دائماً تلك الفتاة التي تحمل وطنها في ذاكرتها أينما ذهبت".
تقدم منال معروف، التي وصلت إلى ألمانيا في الأربعين من عمرها، نموذجاً مختلفاً للتجربة. توضح خلال حديثها لـ "الثورة السورية" أنها لم تستطع التأقلم مع الوضع الجديد، من حيث "اللغة المختلفة، وكذلك العادات والتقاليد. الحياة الاجتماعية كما عرفناها في سوريا تكاد تكون غائبة تماماً هنا". لم تخفِ معروف مشاعرها، فما زالت تحن إلى جذورها الأصلية وتكشف عن حرصها الشديد على "زيارة سورية كلما سنحت لي الفرصة، برفقة أولادي، لأبقيهم مرتبطين وملتزمين بعادات وتقاليد هذا البلد، ولترسيخ محبة الوطن في قلوبهم". وتضيف: "بلاد الغربة لا تغنيهم عن وطنهم، فالإنسان مهما طال به الوقت في المغترب، لا بد له أن يعود إلى جذوره الأصلية".
لكن شام، ابنة منال معروف، التي هاجرت معها في السابعة من عمرها، تحمل رؤية مختلفة. توضح لـ "الثورة السورية" أنها تحب سوريا وأهلها كثيراً، و"أشعر بالفخر بجذوري، ولكن أصدقائي وجامعتي في ألمانيا، لذا أرغب بالبقاء هناك". هذا التباين بين جيلين في العائلة نفسها يعكس التناقض العميق الذي يعيشه اللاجئون السوريون، فالآباء يتشبثون بالعودة إلى البلد الأم، بينما الأبناء الذين نشؤوا في بلاد اللجوء يجدون صعوبة في تصور مستقبلهم خارج المحيط الذي تربوا فيه.
تضع الخبيرة الاجتماعية غفران عوض يدها على جوهر المشكلة، وتقول في حديثها لـ "الثورة السورية" إن ما يعيشه معظم الشباب السوري في المغترب "يمكن وصفه بحالة تعدد هويات". وتضيف أن هذه الحالة "ناتجة عن الانتقال من بيئة تقليدية إلى بيئة أخرى مختلفة تماماً، الأمر الذي يخلق صراعاً داخلياً لدى الشباب بين القيم الموروثة ومتطلبات المجتمع الجديد".
في سياق متصل، تحذر الخبيرة الاجتماعية هلالة درويش من التداعيات النفسية لهذا الانقسام. وتؤكد لـ "الثورة السورية" أن الشعور بعدم الاستقرار والانقسام بين مجتمعين مختلفين قد يولد ضغوطاً نفسية لدى الشباب والمراهقين، تؤثر على التكيف العاطفي. وترى درويش أنه "لا بدّ من توفير دعم نفسي واجتماعي يساعد الشباب على بناء هوية متوازنة تضمن الاندماج بين الوطن الأم وبلد اللجوء من دون الذوبان الكامل أو الانعزال".
تتفق الدراسات الأكاديمية الحديثة مع هذه التحليلات، حيث يشير بحث صدر عن جامعة "خرونينغن" الهولندية في كانون الأول 2025، إلى أن اللاجئين السوريين يعيشون حالة من "التأرجح بين الانتماء القانوني والاستبعاد الثقافي"، وأن الأجيال الشابة تجد مساراتها عبر التعليم والحراك الاجتماعي، بينما يواجه كبار السن عوائق هيكلية وفقدان الأدوار المهنية، ومع ذلك يواصلون تنمية شعور مزدوج بالانتماء إلى كلّ من هولندا وسوريا. كما كشفت دراسة أخرى عن تجارب الطلاب السوريين في الجامعات التركية أنهم طوروا هويات ثقافية متعددة، مع هيمنة الهوية العرقية، نتيجة عوامل عدة منها العزلة الأكاديمية والاجتماعية، والتمييز المدرك، والخضوع اللغوي، وإخفاء الهوية.
بالرغم من كلّ هذه التحديات، أثبت الشباب السوري قدرته على إثبات نفسه، فلم يكتفِ بالتكيف مع محيطه الجديد، بل أصبح أكثر انفتاحاً على التنوع الثقافي، محققاً تفوقاً علمياً ملحوظاً في بلدان الاغتراب. كما يحاول هذا الجيل الجديد بناء هوية خاصة به، تستمد قوتها من تعدد الانتماءات، وتوازن بين وطن رحل عنه ويعمل على استعادته تدريجياً، ووطن بديل منحه الأمان والاستقرار.
يبقى التحدي الأكبر ألا تكون الغربة قطيعة عن الوطن، بل جسراً يعبر عليه الشباب حاملين معهم تجاربهم وحنينهم، للمشاركة في إعادة ترميم ما كسرته سنوات اللجوء. فالعودة إلى سوريا، وإن تأخرت، تبقى حلماً يراود الملايين، لكن الواقع على الأرض أكثر تعقيداً، فالبنية التحتية مدمرة، والخدمات شبه غائبة، والفرص الاقتصادية محدودة. اليوم، ومع عودة مئات الآلاف من السوريين إلى وطنهم بعد التحرير، تبدأ رحلة جديدة من التساؤلات حول هوية الجيل الذي نشأ وترعرع في بلاد الغربة، وهل سينجح هؤلاء الشباب في بناء جسور بين عوالمهم المختلفة؟ هل سيكونون قادرين على استثمار خبراتهم المكتسبة في الخارج لخدمة بلدهم؟ وهل ستتمكن سوريا الجديدة من احتضان أبنائها العائدين ومنحهم الشعور بالأمان والاستقرار الذي يبحثون عنه؟ وتبقى الإجابات معلقة، مثل هويات هؤلاء الشباب، بين حنين الماضي واستقرار الحاضر، وطموح المستقبل الذي يحلمونه.
منوعات
منوعات
منوعات
منوعات