الحسكة: شلل إداري ومعاناة مدنية متفاقمة جراء صراع السيطرة بين دمشق و"قسد"


هذا الخبر بعنوان "الحسكة بين “فكي” السيطرة.. المؤسسات مغلقة والمعاناة متواصلة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم تتوقع محافظة الحسكة، التي تُعد خزانًا للقمح والنفط في سوريا، أن يستمر هذا الشلل الإداري الذي أصاب مفاصلها بعد التحولات الكبرى التي شهدتها البلاد في كانون الأول 2024. فبعد سقوط النظام السابق، كانت الآمال معقودة على استقرار إداري يحفظ حقوق المواطنين، لكن المحافظة تحولت إلى ساحة لتجاذب السيطرة بين الحكومة السورية في دمشق و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، مما ترك ملايين المدنيين في ضياع قانوني وإداري.
مع حلول شباط الحالي، ورغم التطورات العسكرية الأخيرة التي أسفرت عن سيطرة الحكومة السورية على أجزاء واسعة من ريف المحافظة، لا تزال مدينتا الحسكة والقامشلي وأريافهما القريبة تحت سيطرة "قسد". كما لا تزال المؤسسات الحكومية الخدمية الأساسية مغلقة، وسط تبادل للاتهامات حول عرقلة تشغيلها الذي كان من المفترض أن ينهي هذه المعاناة.
عقب سقوط النظام في 8 من كانون الأول 2024، سارعت "قسد" إلى بسط سيطرتها الكاملة على ما كان يُعرف بـ"المربعات الأمنية" في مدينتي الحسكة والقامشلي، وسيطرت على مطار "القامشلي" الدولي والمصارف والكليات الجامعية. لم يكن هذا التحول عسكريًا فحسب، بل تبعه إغلاق ممنهج للمؤسسات الرسمية التابعة للحكومة المركزية، ما أدى إلى خروج المحافظة فعليًا عن النظام الإداري للدولة.
شمل الإغلاق مديريات الأحوال المدنية (النفوس)، والمحاكم المركزية، والسجلات العقارية. وقد خلق هذا الإجراء فراغًا قانونيًا، حيث لا تعترف الحكومة السورية بالوثائق الصادرة عن "الإدارة الذاتية"، بينما تمنع "قسد" الموظفين التابعين لدمشق من ممارسة مهامهم داخل مقارهم الرسمية في المدن التي تسيطر عليها.
في مطلع العام الحالي، وتحديدًا في 30 من كانون الثاني، تم إبرام اتفاق بين الحكومة السورية و"قسد" برعاية أمريكية- فرنسية يقضي بترتيب عملية "الدمج". إلا أنه حتى اللحظة، لم يسهم هذا الاتفاق في فتح المؤسسات الخدمية في الحسكة والقامشلي، أو تسهيل حياة المدنيين وتثبيت تفاهمات تقنية وإدارية.
قال الناشط المدني "خالد العلي" (اسم مستعار لأسباب أمنية) لعنب بلدي: "استبشرنا خيرًا باتفاق 30 من كانون الثاني، ظننا أن السياسة ستُنحى جانبًا أمام حاجة الناس للهويات وشهادات الميلاد، لكن ما حدث هو العكس. كل طرف يستخدم المؤسسات كورقة ضغط. الحكومة في دمشق تشترط السيادة الكاملة، و(قسد) ترفض التنازل عن إدارتها الأمنية للمدن التي تضم هذه المؤسسات".
أدى الاستعصاء السياسي إلى استمرار إغلاق "النفوس" والمحاكم، حتى بعد أن استعادت القوات الحكومية السيطرة على مساحات في ريف الحسكة الجنوبي والغربي في الربع الأول من العام الحالي. وقد أوجد هذا الوضع مفارقة غريبة: ريف تحت سلطة دمشق إداريًا وعسكريًا، ومركز مدينة (عصب الخدمات) مغلق بقرار سياسي وأمني.
يواجه سكان الحسكة والقامشلي صعوبات بالغة في استخراج أو تثبيت الوثائق الشخصية. بات تسجيل مولود جديد أو واقعة زواج يتطلب سفرًا شاقًا ومكلفًا نحو دير الزور أو دمشق، وهي رحلة تحمل تكاليف باهظة.
يروي عدنان الأحمد، أحد سكان مدينة القامشلي، تجربته لعنب بلدي قائلًا: "رُزقت بطفل منذ ستة أشهر، وحتى الآن لم أتمكن من تسجيله في السجلات الرسمية للدولة. مكتب النفوس في القامشلي مغلق، واضطررت لتكليف محامٍ في دمشق، حيث تجاوزت التكاليف مع أجور السفر والمعاملات مليوني ليرة سورية. نحن نعيش في سجن إداري كبير".
ولا تقتصر المشكلة على المواليد، بل تمتد إلى البطاقات الشخصية (الهويات). يعبر منصور الحسين، شاب من الحسكة، عن قلقه من فقدان هويته القديمة أو تلفها: "دون هوية رسمية، لا يمكنني عبور أي حاجز باتجاه المحافظات الأخرى، ولا يمكنني إجراء أي معاملة بنكية. (الإدارة الذاتية) تمنحنا وثائق محلية، لكنها لا تنفعنا إذا أردنا السفر خارج مناطق سيطرتها أو استكمال تعليمنا في جامعات الدولة".
أدى إغلاق المحاكم والسجلات العقارية إلى شلل في الحركة الاقتصادية وتفاقم النزاعات الاجتماعية. آلاف القضايا المدنية والتجارية وقضايا الأحوال الشخصية (طلاق، ميراث) معلّقة منذ أكثر من عام.
أكد المحامي "فراس مصلح" (اسم مستعار) المقيم في الحسكة، لعنب بلدي أن "غياب القضاء الرسمي فتح الباب على مصراعيه لعمليات التزوير، خاصة في السجلات العقارية. هناك عقارات يتم بيعها أكثر من مرة لضحايا مختلفين بعقود برانية (خارج المحكمة) لا قيمة قانونية لها في سجلات الدولة".
وأضاف المحامي: "المواطن اليوم مشتت بين محاكم (الإدارة الذاتية) التي تفتقر للاعتراف الدولي والمحلي من قبل دمشق، وبين المحاكم الرسمية المغلقة. هذا الوضع سيخلق كوارث قانونية لن تُحل لعقود قادمة، خاصة في قضايا الملكيات العقارية التي جُمدت تمامًا، ما أدى إلى ركود اقتصادي مخيف".
لم تكن المعاناة إدارية فقط، بل طالت لقمة عيش آلاف الموظفين الحكوميين الذين بقوا في منازلهم أو يعملون في مؤسسات مغلقة. ومنذ مطلع عام 2025، توقف صرف الرواتب بانتظام داخل الحسكة، مما أجبر الموظفين على السفر شهريًا إلى دمشق أو دير الزور لتسلم رواتبهم، وهي رحلة تستهلك نصف الراتب تقريبًا.
كحل لهذه المعضلة، أطلقت الحكومة السورية تطبيق "شام كاش" (محفظة إلكترونية) في نيسان 2025، بهدف تحويل الرواتب إلكترونيًا. ورغم الترحيب الأولي من بعض الموظفين، مثل أسامة العبد الله الذي وجد في التطبيق وسيلة لتوفير عناء السفر، فإن "قسد" منعت التعامل بالتطبيق في مناطق سيطرتها بمدينتي الحسكة والقامشلي في أيلول 2025، معتبرة إياه اختراقًا لنظامها المالي.
قالت هبة الصالح، معلمة في مدرسة حكومية بالقامشلي، لعنب بلدي: "نحن الضحية الدائمة. دمشق تحول الراتب عبر (شام كاش)، و(قسد) تمنع الصرافين من التعامل به أو صرفه. نضطر للبحث عن طرق ملتوية أو دفع عمولات مرتفعة لسماسرة ليقوموا بصرف رواتبنا من مناطق خارج سيطرة (قسد). هل يُعقل أن يتحول راتب الموظف إلى قضية سياسية؟".
تسود حالة من الاحتقان الشعبي في أوساط أهالي الحسكة والقامشلي، الذين يرون في استمرار إغلاق المؤسسات "عقابًا جماعيًا" لا مبرر له. ورغم السيطرة العسكرية الجديدة للحكومة السورية على أجزاء من المحافظة، فإن السكان في المدن (تحت سيطرة قسد) يشعرون أنهم منسيون.
أكد الشيخ "ف.ع."، أحد وجهاء المنطقة، لعنب بلدي أن هناك تحركات شعبية تطالب الطرفين بفتح الدوائر الحكومية دون قيد أو شرط. وقال: "اجتمعنا مع ممثلي (قسد) أكثر من مرة. مطلبنا واضح: عودة المدارس، عودة المحاكم، وعودة مديرية النفوس. إغلاق المدارس الحكومية تحديدًا نعتبره تجهيلًا ممنهجًا لأبنائنا".
وتشير آراء الأهالي إلى أن السيطرة العسكرية للحكومة على الريف لم تغير من واقعهم الخدمي شيئًا طالما أن المراكز الرئيسة في المدن مغلقة، ويرى كثيرون أن استعادة الاستقرار تبدأ من "الاعتراف المتبادل بالخدمات"، بحيث تُحيّد المؤسسات التي تمس حياة الناس اليومية عن الصراع العسكري.
إن الحلول المطروحة حاليًا، مثل تطبيق "شام كاش" أو محاولات تسيير معاملات النفوس عبر "مكاتب بديلة" في الأرياف التي سيطرت عليها الحكومة مؤخرًا، هي مجرد "تخدير" للأزمة وليست حلًا لها. فمحافظة الحسكة، بتركيبتها المعقدة وتوزع السيطرة فيها، تحتاج إلى أكثر من مجرد اتفاقات تقنية. إنها بحاجة إلى قرار سياسي شجاع يضع حدًا لمعاناة ملايين البشر.
بين "قسد" التي تتمسك بالسيطرة الإدارية، والحكومة المركزية التي تؤكد أن لا مؤسسات دون "بسط السيادة"، يبقى المواطن السوري في الحسكة الخاسر الأكبر، يبحث عن "هوية" تثبت وجوده، وراتب يسد رمق عائلته، في وطن يبدو أن التوافق فيه لا يزال بعيد المنال. ويبقى السؤال المعلّق في شوارع الحسكة والقامشلي: متى تفتح الأبواب الموصدة لمديرية النفوس؟ وهل ستنجح التطورات الميدانية الأخيرة في فرض واقع سياسي جديد ينهي "الشلل الإداري"، أم أن المدينة ستبقى رهينة "شد الحبل" بين دمشق و"قسد"؟
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة