الثروات الطبيعية في سوريا: حقيقة الاحتياطيات وتحديات التخلص من «اقتصاد الوهم»


هذا الخبر بعنوان "إعادة استكشاف سورية نفطياً : متى التخلّص من «اقتصاد الوهم»؟" نشر أولاً على موقع worldnews-sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يعود ملف الثروات الطبيعية السورية، لا سيما النفط والغاز، إلى الواجهة مجدداً كـ"وعد مؤجل" بالخلاص الاقتصادي. إلا أن هذا الطرح يبدو أقرب إلى خطاب دعائي وتعبوي، يستغل شح المعلومات وغياب الشفافية لتسويق صورة "وردية" للمستقبل، بعيدة عن التقييم الواقعي للموارد من حيث نوعها وحجمها وجدواها الاقتصادية. لقد امتلأت الفضاءات الإعلامية، المحلية والعربية، في السنوات الأخيرة بمعلومات متضاربة ومختلقة أحياناً حول حجم هذه الموارد، متحدثة عن احتياطات "هائلة" من السيليكون والغاز والنفط، وعن تحول سوريا إلى "خزان الطاقة في الشرق الأوسط". لكن هذه الادعاءات لم تستند إلى أي مسوحات جيولوجية حديثة أو معترف بها دولياً، بل كانت غالباً أدوات لتغذية الرأي العام بمزيج من الأمل والغضب، تبعاً للظرف السياسي القائم.
لم يضع "اقتصاد الوهم"، الذي استنزف البلاد لعقود وخلق فجوة بين توقعات الناس وقدرات الدولة الحقيقية، نهاية له حتى بعد سقوط النظام السابق. فبعض التصريحات والتحليلات الحالية لا تزال تتبنى جوانب من تلك الروايات دون الاستناد إلى دراسات علمية حديثة – علماً أنه لم تُجرَ أي دراسات في هذا الشأن منذ عام 2010 – أو نتائج مسوح ميدانية جديدة. وتؤكد مصادر وزارة النفط أنه حتى نهاية عام 2025، لم تدخل أي شركة أجنبية متخصصة إلى البلاد لإجراء أعمال مسح واستكشاف أو تقييم احتياطات في البر أو المياه الإقليمية. وعليه، تبقى الثروات القابلة للتقدير هي تلك المكتشفة سابقاً والموثقة محلياً ودولياً، والتي، رغم محدوديتها النسبية، ليست ضئيلة إذا ما أُحسن استثمارها وتوجيهها ضمن أطر قانونية وتنافسية شفافة.
ما الذي تملكه سوريا فعلياً؟ تُعدّ سوريا من الدول التي لم يُستكشف منها سوى جزء محدود من أراضيها، باستخدام طرق قديمة، في حين يعتمد العالم تقنيات متطورة للغاية. ويشير جيولوجيون سوريون إلى أن أكثر من نصف المساحة الكلية للبلاد لا يزال غير مستكشف بالقدر الكافي. وبحسب خبير ومسؤول نفطي سابق تحدث إلى «الأخبار»، فإن المناطق المستكشفة سابقاً بحاجة إلى "إعادة استكشاف جديدة عبر الاستفادة من التقنيات الحديثة"، بالإضافة إلى دمج الطاقة المتجددة، لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري مستقبلاً. ووفقاً لبيانات «منظمة الدول العربية المصدّرة للنفط» (أوابك)، يبلغ الاحتياطي السوري المؤكد من النفط نحو 2.5 مليار برميل، ومن الغاز قرابة 285 مليار متر مكعب. أما احتياطي الفوسفات، فيتجاوز 1.8 مليار طن، مع تقديرات بأنه قد يتجاوز ملياري طن. ورغم أن هذه الأرقام ليست قليلة إقليمياً، إلا أنها لا تجعل من سوريا دولة نفطية بالمعنى التقليدي، فالثروة الحقيقية تكمن في القدرة على تحويلها إلى تنمية مستدامة تحفظ حق المواطن. قبل عام 2011، كانت البلاد تحتل المرتبة التاسعة عربياً في الإنتاج، بطاقة يومية تقارب 385 ألف برميل فقط. ويتطلب استثمار هذا الاحتياطي إنفاقاً ضخماً لإصلاح الدمار والنهب وتوقف البنية التحتية جراء الحرب، حيث قدرت وزارة النفط عام 2023 حجم الأضرار المباشرة وغير المباشرة بأكثر من 115 مليار دولار.
الإنتاج والإيرادات الممكنة تشير دراسة رسمية غير منشورة، أعدتها وزارة النفط عام 2017، إلى أن خطة إعادة التأهيل الكاملة للحقول والمصافي في سوريا استهدفت رفع إنتاج النفط اليومي إلى نحو 205 آلاف برميل، وإنتاج الغاز إلى 18 مليون متر مكعب. وتبلغ قيمة هذه الكميات حالياً، وفقاً لأسعار النفط والغاز (65 دولاراً للبرميل عالمياً ونحو 43 سنتاً للمتر المكعب من الغاز السوري)، حوالي 8 مليارات دولار سنوياً. إلا أن هذه التقديرات تبقى محاكاة حسابية، إذ تحتاج سوريا سنوات من إعادة التأهيل قبل الاقتراب من تلك المعدلات. كما أن أي عائد فعلي سيكون رهناً بعاملين حاسمين: نسبة الصادرات والاستهلاك المحلي إلى الإنتاج المحلي، ونموذج التعاقد الذي ستعتمده الحكومة مع الشركات الأجنبية. ففي حال تبني نموذج "المشاركة في الإنتاج" بشروط غير مجحفة بحق الجانب الوطني – وهو النموذج المعمول به سابقاً منذ سبعينيات القرن الماضي، وكما فعل العراق بعد 2003 – فإن حصة الدولة ستتراوح بين 40 و60% من الإيرادات الصافية. وفي حال اتجهت البلاد نحو نموذج الامتياز الكامل، ستكون حصة الدولة أقل، لكنها أكثر استقراراً مالياً على المدى الطويل. أما الفوسفات، فقد بلغ إنتاجه قبل الحرب نحو 3.5 ملايين طن سنوياً – معظمها من مناجم الشرقية وخنيفيس – وهو ما يمكن أن يحقق إيرادات تقارب 200 مليون دولار وفق الأسعار الراهنة. ورغم أهميته، لا يملك هذا القطاع الوزن المالي نفسه الذي يتمتع به النفط والغاز في الميزان التجاري الوطني.
ما عمر الثروات الحالية؟ قبيل اندلاع الحرب بثلاث سنوات تقريباً، حذّر خبراء سوريون من احتمال دخول مرحلة نضوب نسبي للنفط بين عامي 2020 و2025، ما لم تُجرَ اكتشافات جديدة. وبالاستناد إلى الاحتياطي الحالي المكتشف ومعدلات الإنتاج السابقة (عام 2010)، يُقدر عمر الاحتياطيات النفطية المتبقية بنحو 17 عاماً، مقابل 37 عاماً للغاز، بينما يمتد عمر الفوسفات إلى عقود طويلة بناءً على معدلات الإنتاج القديمة. يستدعي ذلك اعتماد استراتيجية إنتاج متوازنة تراعي الاحتياجات المحلية، وتحافظ على حقوق الأجيال المقبلة، وتراعي في الوقت نفسه تسارع التحولات البيئية والضرائب المفروضة على الدول المنتجة للثروات النفطية. لذا، يجب ألا يقتصر الرهان في المرحلة الانتقالية على تعظيم الإنتاج وحده، بل على إعادة بناء منظومة إدارة الموارد على أسس الشفافية والمساءلة، وإعطاء الأولوية للاكتفاء الذاتي، وتقليص فاتورة الاستيراد، وتوجيه الموارد نحو التصنيع المحلي بدلاً من تصدير المواد الخام. بهذه الطريقة فقط يمكن تحسين الميزان التجاري ودعم سعر الصرف دون اللجوء إلى وعود خيالية. وفي هذا السياق، تثبت تجارب العراق وليبيا، بعد التحولات السياسية فيهما، أن الوفرة لا تضمن التنمية، وأن غياب الحوكمة قد يحوّل الثروة إلى عبء سياسي واقتصادي.
سياسة
اقتصاد
اقتصاد
سياسة