النموذج السوري في مؤتمر ميونخ: دلالات التمثيل المزدوج ومستقبل السيادة


هذا الخبر بعنوان "النموذج السوري في مؤتمر ميونخ" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهد مؤتمر ميونخ للأمن في دورته الثانية والستين حضوراً سورياً بوفدين، أحدهما حكومي والآخر يمثل مندوبين عن قوات سوريا الديمقراطية (قسد). وعلى الرغم من أن النقاشات واللقاءات لم تُظهر تعارضاً مباشراً في هذا الحضور، إلا أنه على المستوى السياسي يطرح تمثيلاً سورياً بآلية غير مألوفة. فقد جرى التعامل رسمياً مع الوفدين عبر لقاءات رفيعة المستوى، ربما كان أبرزها لقاء وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مع نظيره السوري أسعد الشيباني، وقائد قوات قسد مظلوم عبدي.
إن قراءة هذه الصورة تتجاوز التفاصيل البروتوكولية للمؤتمر، فوفق تحليل مازن بلال، يعبر شكل التمثيل عن مضمون السياسة ذاتها. إن وجود وفدين سوريين على طاولة واحدة، دون إعلان تناقض، يكشف عن مقاربة دولية ترى في الجغرافيا السورية تعددية أمر واقع، لا مجرد أزمة عابرة في مسار دولة مركزية.
في أعمال المؤتمر، بدت الولايات المتحدة وكأنها تُكرّس منطق "الإدارة المزدوجة" مع اعتراف رسمي بالدولة السورية من بوابة الدبلوماسية. فاللقاء الثلاثي، وإن لم يُعلن اجتماعاً جامعاً، يحمل دلالته الرمزية؛ إذ تُمسك واشنطن بخيوط توازن دقيق بين مركز دمشق وأطرافها، دون أن تمنح أياً منهما تفويضاً كاملاً.
هذا النموذج لا يعني بالضرورة إعادة تعريف الشرعية، لكنه يشي بإعادة توزيعها. فالمؤتمرات الدولية لا تمنح شرعية بقدر ما تظهرها. وعندما يُستقبل قائد عسكري غير حكومي بمستوى موازٍ لوزير خارجية دولة، فإن الرسالة تتجاوز المجاملة، لتكون إشارة إلى أن ملف شمال شرقي سوريا لم يعد ملفاً أمنياً صرفاً، بل أصبح جزءاً من معادلة إقليمية أوسع، تتداخل فيها حسابات تركيا وإيران وروسيا والولايات المتحدة.
لم يظهر في ميونخ صدام علني بين الوفدين السوريين، لكن غياب التعارض لا يلغي التباين البنيوي في الرؤى. فالسلطة السورية الحالية ما زالت تنطلق من مبدأ وحدة القرار والسيادة المركزية، في حين ترى "قسد" ضرورة النظر إلى الخصوصية الكردية بصفتها قومية. هذا الشكل السياسي في اللقاء بين الوفد الرسمي وطرف يحمل في عمقه مخاطر كامنة، فتكريس تمثيل مزدوج يرسّخ انقساماً وظيفياً داخل الدولة، حتى لو لم يُعلن رسمياً، وقد يتحول هذا الترتيب المؤقت إلى بنية دائمة يصعب تفكيكها.
يبقى التساؤل: هل تستطيع سلطة دمشق استعادة مركزية القرار عبر مسار سياسي تفاوضي، أم أن الترتيبات الدولية ستفرض صيغة لامركزية أعمق مما هو مطروح في التفاهمات الحالية بين السلطة وقسد؟ لقد أظهر حضور سوريا في ميونخ صورة مركبة لسلطة تتفاوض على وحدتها في الخارج، بينما تُختبر في الداخل بتحديات إعادة البناء والسيادة. إن النموذج الذي ظهر في المؤتمر لا يحسم مستقبل سوريا، لكنه يكشف عن اتجاه للمجتمع الدولي في التعامل مع سوريا بوصفها ساحة توازنات، لا قضية مغلقة. وبين هذين التعريفين، يتحدد مسار السنوات المقبلة؛ إما نحو إعادة توحيد تدريجية لمراكز القرار، وإما نحو تثبيت تعددية سياسية - أمنية تُدار تحت سقف الدولة، دون أن تعود إليها كاملة.
سياسة
سوريا محلي
سياسة
سوريا محلي