الدستور السوري الأول عام 1920: رؤية فيدرالية ولا مركزية لم تكتمل


هذا الخبر بعنوان "التجربة الفيدرالية السورية .. الحكم اللا مركزي الأوسع في أول تجربة دستورية" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
قبل 106 أعوام، شهدت سوريا أولى تجاربها الدستورية كدولة مستقلة عن السلطنة العثمانية، تحت اسم "المملكة السورية العربية". مثلت هذه المملكة ما يمكن وصفه بـ"التجربة الفيدرالية السورية" في فترة مبكرة من تاريخ البلاد. في ذلك الحين، لم تكن حدود "سوريا" الحالية قد تشكلت بعد، بل كانت "المملكة السورية" تشمل "بلاد الشام" بمفهومها الواسع، لتضم مناطق تمتد من "الحسكة" في الشمال الشرقي وصولاً إلى "غزة" في الجنوب الغربي، مما يعكس تنوعاً كبيراً في طبائع السكان واحتياجات المناطق.
جسّدت عملية وضع الدستور أول تجربة انتخابية ديمقراطية في سوريا، حيث جرى انتخاب "المؤتمر السوري العام" الذي تحول لاحقاً إلى المجلس النيابي. ضم هذا المؤتمر ممثلين عن كافة المناطق السورية، وعقد جلساته لوضع دستور للبلاد، وقد انتخب "هاشم الأتاسي" رئيساً للجنة صياغة الدستور.
اتسم دستور عام 1920 بسمتين أساسيتين: أولاً، أنه وُضع بطريقة ديمقراطية واعتمد الديمقراطية في انتخاب أعضاء مجلسي النواب والشيوخ، وجعل الحكومة مسؤولة أمام مجلس النواب. ثانياً، كان هذا الدستور الأول والأخير الذي أرسى نظاماً "فيدرالياً" لحكم البلاد. رأى واضعو الدستور في الفيدرالية الطريقة المثلى لتحقيق التمثيل الفعلي لكافة المناطق ومراعاة خصوصياتها واختلافاتها، ومنح ممثليها صلاحية إدارة شؤونها.
نصت المادة الثانية من الدستور على أن المملكة السورية تتألف من مقاطعات ذات وحدة سياسية لا تقبل التجزئة. كما أوضحت المادة 47 أن "المؤتمر العام" يتألف من مجلسي الشيوخ والنواب. وفيما يتعلق بالانتخابات، ذكرت المادة 73 أن المجلس النيابي ينتخب بالرأي الخفي على درجتين، بينما بينت المادة 65 أن المجلس النيابي ينتخب في كل "مقاطعة" أعضاءً لمجلس الشيوخ بنسبة ربع نوابها في المجلس النيابي العام، ويعين الملك عدداً مساوياً لنصف عدد الأعضاء المنتخبين.
تضمنت مواد الدستور صلاحيات واسعة للمقاطعات، حيث نصت المادة 122 على أن المقاطعات تدار بطريقة "اللا مركزية" في إدارتها الداخلية، باستثناء الأمور العامة التي تدخل ضمن خصائص الحكومة العامة كما هو مصرح في الدستور. وأشارت المادة 123 إلى أن لكل مقاطعة مجلس نيابي يدقق ميزانيتها ويسنّ قوانينها ونظمها المحلية وفقاً لحاجاتها، ويراقب أعمال حكومتها، مع التأكيد على عدم جواز سن قانون يخالف "القانون الأساسي/الدستور" أو القوانين العامة التي يختص بوضعها المؤتمر.
كما بينت المادة 125 أن انتخابات المجلس النيابي للمقاطعة تكون على درجة واحدة، ومنحت المادة 129 المقاطعات صلاحية سنّ القوانين الانتخابية لمجالسها النيابية. بالإضافة إلى ذلك، منحت المواد التالية المجالس النيابية للمقاطعات صلاحية سنّ قوانينها الخاصة، على أن يصادق عليها الملك، وفي حال الخلاف بين الطرفين، تُحال القوانين إلى مجلس الشيوخ للبت فيها ويكون حكمه قطعياً. وامتدت الصلاحيات الواسعة للمقاطعات، بحسب المادة 134، لتشمل حق تنظيم جميع أنواع المحاكم بدرجاتها وفقاً لقانونها الخاص.
لم يعش دستور عام 1920 طويلاً ولم يحظ بفرصة التطبيق الفعلي، فقد أُعلن في 13 تموز 1920، أي قبل يوم واحد فقط من "إنذار غورو" الذي كان إيذاناً ببدء الانتداب الفرنسي على سوريا، والذي أنهى بدوره العمل بهذا الدستور. ومع ذلك، تقدم هذه التجربة صورة واضحة عن رؤى السياسيين السوريين في تلك الحقبة، وفهمهم العميق لطبيعة البلاد وتنوع سكانها ومكوناتها، وضرورة منحهم حرية واسعة في اختيار ممثليهم على مستوى مقاطعاتهم أولاً وعلى المستوى الوطني ثانياً، وتشكيل مجلس شيوخ لتمثيل المقاطعات والمناطق لضمان حضور صوت كافة المكونات في صناعة القرار الوطني.
بعد مرور 106 أعوام، عاد الحديث عن "الفيدرالية" أو "اللا مركزية الموسّعة" كسبيل لتمثيل المناطق واحترام خصوصياتها وتنوعها. يُنظر إلى هذه الأفكار كتعبير عن الانتقال من مرحلة "المركزية الشديدة" التي سادت في عهد النظام السابق، إلى مرحلة من "اللا مركزية" في العهد الجديد، بهدف منح المناطق حقوقاً تضمن صوتها وتعبر عن إرادة سكانها وحق إدارة شؤونهم بأنفسهم.
لكن بعض الدعوات الحالية المطالبة بـ"الفيدرالية" تستند إلى اعتبارات طائفية أو إثنية قومية في تحديد الأقاليم أو الولايات. هذا الطرح يواجه تحدياً كبيراً يتمثل في استحالة تحديد منطقة "نقية" طائفياً أو عرقياً في سوريا، إذ لا توجد محافظة سورية تضم سكاناً من طائفة أو قومية واحدة دون سواها، بل تختلط فيها الأعراق والأديان والطوائف. هذا الواقع يجعل من دعوة إقامة فيدرالية على أساس طائفي أو قومي غير واقعية، بخلاف "فيدرالية 1920" التي قامت على أساس جغرافي وهدفت إلى أوسع تمثيل لجميع السوريين، ومنحهم الحق في صناعة القرار من المستوى المحلي الأدنى إلى المستوى الوطني العام في أوسع صوره.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة