اقتصاد السلطة في سوريا: تحليل نقدي لسياسات تعمق الفقر وتحول الدولة إلى غنيمة


هذا الخبر بعنوان ""سوريا كغنيمة".. اقتصاد سلطة لا اقتصاد دولة" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يرى الكاتب محمد محمود هرشو أن تصريح حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر الحصرية، حول كفاية "100 دولار" لمعيشة عائلة سورية، لم يكن مجرد تقدير اقتصادي خاطئ. بل بدا أقرب إلى بيان سياسي يختصر فلسفة الحكم بعد أربعة عشر شهراً فقط من وصول هيئة تحرير الشام إلى السلطة. فعندما يتحدث مسؤول نقدي بلغة اجتماعية تبريرية، ويمنّ على السوريين بـ"بقاء التعليم والطبابة مجانيين" بغض النظر عن مدى صدقية هذا الادعاء، فإن الرسالة الضمنية لا تتعلق بالواقع المعيشي بقدر ما تكشف عن تصور عميق لدور الدولة: الانسحاب من المجتمع مع الاحتفاظ بالسلطة عليه.
المشكلة أن هذه السلطة لم ترث اقتصاداً مستقراً كي تختبر فيه وصفاتها. فقد استلمت بلداً منهكاً بحرب طويلة، بنية تحتية شبه مدمرة، وسوقاً هشاً يعتمد على تحويلات الخارج واقتصاد ظل واسع. ومع ذلك، جاءت خطواتها الأولى أقرب إلى إعادة إنتاج اقتصاد النخبة عبر تعيينات متكررة لنفس الدوائر الضيقة، وقرارات اقتصادية متقلبة، وخطاب رسمي يختزل الأزمة إلى مسألة "تحرير السوق"، فيما الواقع يشير إلى احتكار الفرص لا تحريرها.
في أقل من عام ونصف، ظهرت سلسلة من المؤشرات التي تعكس خللاً بنيوياً في فهم الاقتصاد. فقد تأخر صرف الرواتب في قطاعات أساسية، وصدرت قرارات فصل وظيفي واسعة من دون بدائل اقتصادية، وأُطلقت ملفات استثمارية عبر مذكرات تفاهم غامضة بدلاً من مناقصات شفافة. كل ذلك ترافق مع خطاب اقتصادي يَعِد بسوق حر، لكنه لا يقدم مؤسسات مستقلة ولا إطاراً قانونياً واضحاً لحماية المستثمرين أو العمال، والنتيجة أن السوق بقي مشلولاً، فيما توسعت شبكات النفوذ التي تتحكم بالتراخيص والعقود.
وبينما تحاول السلطة الجديدة تقديم نفسها كقوة إصلاحية تتبنى الليبرالية الاقتصادية، إلا أنها عملياً تختار أكثر نماذجها قسوة وأقلها نجاحاً في بيئة ما بعد النزاعات. ففي التجارب المقارنة، لم تنجح سياسات التحرير الاقتصادي حين فُرضت على مجتمعات خارجة من الحروب دون شبكات أمان اجتماعي قوية. بل على العكس، قادت غالباً إلى تعميق الفوارق الاجتماعية وتكريس اقتصاد ريعي - زبائني، حيث تُدار الموارد وفق منطق الولاء السياسي لا الكفاءة الاقتصادية.
الأخطر أن السلطة لا تكتفي بالانسحاب من وظائفها الاجتماعية، بل تحاول إعادة تعريف مفهوم الدولة ذاته. فالحديث المتكرر عن "الشخص المناسب في المكان المناسب" تحوّل إلى شعار إداري فضفاض يخفي وراءه تدوير نفس الأسماء بين مواقع متعددة، في مشهد يعكس احتكاراً للمناصب والرواتب في وقت يزداد فيه الفقر العام. وهنا لا يعود الاقتصاد مجرد أداة تنمية، بل يصبح وسيلة لضبط المجتمع عبر إبقائه في حالة هشاشة دائمة.
وفي حين تُستخدم لغة السوق لتبرير رفع الدعم وتقليص الخدمات، تستمر القيود السياسية والاجتماعية على حالها، بل تتشدد في بعض الملفات. هذه المفارقة تكشف أن ما يُطرح ليس مشروعاً ليبرالياً حقيقياً، بل نموذجاً سلطوياً بواجهة اقتصادية جديدة. فالليبرالية الاقتصادية تاريخياً اقترنت بتوسيع الحريات الفردية وبناء مؤسسات رقابية مستقلة، بينما في الحالة السورية يجري استحضارها فقط حين يتعلق الأمر بتخفيف التزامات الدولة تجاه المواطنين.
المفارقة الأكثر قسوة أن السلطة تتجاهل النماذج الأقرب لاحتياجات سوريا اليوم. فدول مثل ألمانيا أو السويد لم تبنِ أسواقها عبر تقليص دور الدولة، بل عبر دولة رفاه قوية أعادت توزيع الموارد وخلقت طبقة وسطى قادرة على الاستهلاك والإنتاج. أما في سوريا، فالتوجه الحالي يدفع المجتمع نحو مزيد من التهميش، ما يعني عملياً تقويض أي إمكانية لنمو اقتصادي مستدام.
ليست المشكلة في أن السلطة لا تتقن الليبرالية الاقتصادية، بل في أنها لا تبدو معنية أصلاً ببناء اقتصاد سوري حقيقي. ذلك أن ما يجري يوحي بأن سوريا تُعامل كفرصة توزيع، لا كدولة تحتاج إلى إعادة إعمار اجتماعي واقتصادي شامل. وفي ظل هذا المسار، يصبح الفقر أداة سياسية بقدر ما هو نتيجة اقتصادية، لأن مجتمعاً مشغولاً بالبقاء على قيد الحياة، نادراً ما يجد وقتاً للمساءلة.
سياسة
سوريا محلي
سياسة
سياسة