الحسكة تحت وطأة القيود: طرق مغلقة، ألغام قاتلة، وحظر تجول يكبّل حياة السكان اليومية


هذا الخبر بعنوان "إغلاق الطرق وخطر الألغام يقيّدان حركة أهالي الحسكة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا تحولات ميدانية متسارعة، ألقت بظلالها الثقيلة على تفاصيل الحياة اليومية لسكانها. ففي ظل تغير خريطة السيطرة بين الجيش السوري و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، بات الأهالي يواجهون قيوداً مشددة على الحركة، وإغلاقاً للطرق، وانتشاراً للألغام على خطوط التماس، ما أسفر عن سقوط ضحايا مدنيين وزاد من تعقيد المشهد الإنساني في المنطقة.
شهدت الأسابيع الماضية توسعاً في سيطرة الجيش السوري على مساحات واسعة شمال شرقي سوريا، الأمر الذي قلص وجود “قسد” ليقتصر على المدن الرئيسية وبعض الأرياف في محافظة الحسكة. هذا التغير أوجد واقعاً ميدانياً جديداً يتسم بتداخل خطوط التماس، ووجود طرق مقطوعة أو خاضعة لإجراءات أمنية صارمة. وقد حول هذا الوضع التنقل بين مناطق سيطرة الطرفين إلى مهمة محفوفة بالمخاطر، مما اضطر الأهالي إلى اللجوء لطرق جانبية وترابية لتجنب الحواجز والإغلاقات. إلا أن هذه الطرق البديلة أصبحت تشكل خطراً جسيماً، خاصة مع انتشار الألغام الأرضية على أطراف المدينة وفي محيطها الجنوبي والشرقي. ووفقاً لشهادات سكان محليين نقلتها عنب بلدي، فإن هذه الألغام زُرعت مؤخراً على خطوط التماس، بالتزامن مع تقدم الجيش السوري نحو الأرياف الجنوبية والشرقية، ما يجعل أي تحرك خارج الطرق الرئيسية مغامرة غير مأمونة العواقب.
تتجلى آثار هذه التطورات بوضوح على مداخل مدينة الحسكة. فقد أغلقت “قسد” المدخل الجنوبي للمدينة كلياً أمام القادمين، مع إتاحة عبور جزئي للخروج منها فقط. أما المدخل الشرقي، فيشهد حالة من الفتح والإغلاق المتكرر، ما يضع الأهالي في ترقب دائم ويعرقل انتظام حياتهم اليومية، لا سيما الموظفين والطلاب والمرضى الذين تتطلب ظروفهم تنقلاً مستمراً بين المدينة وأريافها. وفي شهادة لـ عنب بلدي، وصف “أحمد” (اسم مستعار)، وهو عامل إنشاءات يقيم في ريف الحسكة الجنوبي ويعمل داخل المدينة، وصوله إلى عمله بأنه “مغامرة يومية”. وأوضح أنه يضطر أحياناً للانتظار لساعات عند المدخل الشرقي “حتى يُسمح لنا بالدخول، وأحياناً نُجبر على العودة أدراجنا”. وأكد أحمد أن “القرارات تتغير من ساعة لأخرى، ولا توجد تعليمات واضحة أو جدول ثابت لفتح وإغلاق المداخل”، مما يجعل التخطيط لأي نشاط يومي أمراً بالغ الصعوبة.
تخضع المدن الخاضعة لسيطرة “قسد” في محافظة الحسكة لحظر تجول ومنع تنقل جزئي يمتد من الساعة السادسة مساءً حتى السادسة صباحاً، حسبما أكده عدد من السكان. وقد أثرت هذه الإجراءات بشكل مباشر على إمكانية الوصول إلى الخدمات الطبية ليلاً، لا سيما للحالات الإسعافية القادمة من الأرياف. روت عبير محمد، وهي سيدة من إحدى القرى المجاورة لمدينة الحسكة، لـ عنب بلدي معاناتها بعد تعرض طفلها لوعكة صحية مفاجئة ليلاً، حيث اضطرت عائلتها “للانتظار حتى ساعات الصباح الأولى للتوجه إلى المستشفى داخل المدينة”، خوفاً من المساءلة أو المنع عند الحواجز. وأضافت أن “المرض لا ينتظر، لكننا أصبحنا نحسب حساب الساعة قبل التفكير في الخروج من المنزل”، مشيرة إلى لجوء بعض العائلات لوسائل إسعاف بدائية أو التواصل مع الأطباء هاتفياً في ظل صعوبة الحركة ليلاً. من جانبه، أفاد أحد العاملين في المجال الطبي داخل المدينة، والذي فضل عدم الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، بأن “المشافي تستقبل عدداً أقل من الحالات ليلاً مقارنة بالفترة السابقة”، مرجحاً أن ذلك يعود إلى “خشية الأهالي من التنقل في أثناء حظر التجوال”.
لم تقتصر تداعيات التطورات الأمنية على صعوبة التنقل فحسب، بل امتدت لتشمل أعباء اقتصادية متزايدة، تجلت في ارتفاع أجور النقل بين مدينة الحسكة وأريافها. فقد لجأ عدد من أصحاب وسائط النقل (السرافيس) إلى مضاعفة الأسعار، مبررين ذلك بسلوكهم طرقاً وعرة وطويلة لتفادي خطوط التماس أو الحواجز المغلقة. ووفقاً لشهادات الأهالي، أصبحت أجرة النقل تُحسب بمعدل 1000 ليرة سورية لكل كيلومتر، وهو مبلغ يتجاوز قدرة العديد من العائلات، خاصة في ظل تراجع الدخل وارتفاع أسعار المواد الأساسية. وأفاد عبد الرحمن، وهو مزارع من ريف الحسكة الشرقي، بأن “الوصول إلى المدينة لشراء مستلزمات الزراعة أو بيع الخضار أصبح مكلفاً جداً”، مضيفاً أن تكلفة النقل “تلتهم جزءاً كبيراً من الأرباح، وأحياناً تجعل العملية برمتها غير مجدية”. كما أوضح أن بعض السائقين “يرفضون أصلاً الذهاب إلى بعض القرى القريبة من خطوط التماس، خوفاً من الألغام أو الاستهداف”، مما يزيد من عزلة تلك المناطق.
يبرز خطر الألغام المنتشرة على الطرق الترابية المحاذية لمداخل المدينة كأكبر تهديد، حيث حصدت بالفعل أرواح مدنيين خلال الأيام الماضية. ففي مطلع شباط الحالي، انفجر لغم أرضي بسيارة كانت تقل عائلة في طريق عودتها إلى مدينة الحسكة، بعد نزوحها لبضعة أيام إلى الريف، ما أسفر عن وفاة امرأة وطفليها قرب المدخل الجنوبي للمدينة. وروى أحد أقارب العائلة لـ عنب بلدي تفاصيل الحادثة، مشيراً إلى أنهم “ظنوا أن الطريق الترابي المحاذي للمدخل أكثر أماناً، بعد إغلاق المدخل الرسمي”، لكن الانفجار وقع فجأة، “ولم يسعفهم الوقت لإنقاذ الأم وطفليها”. وأكد أن العائلة “لم تكن على علم بوجود ألغام في المنطقة”، مطالباً بـ “تحذير الأهالي بشكل واضح، ووضع إشارات دالة على المناطق الخطرة”. وتثير هذه الحادثة قلقاً واسعاً بين السكان، لا سيما أولئك الذين يضطرون لسلوك طرق بديلة يومياً، في ظل غياب خرائط واضحة أو عمليات معلنة لإزالة الألغام.
يعيش أهالي الحسكة وأريافها حالة من القلق المستمر، حيث تتشابك المخاوف الأمنية مع الضغوط الاقتصادية والمعيشية. سلمى، وهي طالبة تقيم في الريف الغربي وتتردد على المدينة لتلقي دورات الثانوية، أفادت بأن حضورها للدروس أصبح “مرتبطاً بمدى فتح المدخل الشرقي”، مشيرة إلى تغيبها عدة أيام بسبب الإغلاق المفاجئ. وأوضحت أن أسرتها “تفكر أحياناً في استئجار منزل داخل المدينة لتفادي مشكلة التنقل”، إلا أن ارتفاع الإيجارات يحول دون ذلك. في المقابل، يفضل بعض الأهالي البقاء في منازلهم وتقليل التنقل إلى الحد الأدنى، مما أثر سلباً على حركة الأسواق والتبادل التجاري بين المدينة وريفها. وأكد نوري الصالح، وهو أحد أصحاب المحال التجارية في سوق الحسكة، أن “عدد الزبائن القادمين من الريف انخفض بشكل ملحوظ”، مضيفاً أن عدم استقرار فتح وإغلاق الطرق “يجعل الناس يؤجلون مشترياتهم غير الضرورية”.
في خضم هذه التطورات، يجد المدنيون أنفسهم محاصرين بين اعتبارات أمنية تفرضها الجهات المسيطرة على الأرض، واحتياجات يومية لا يمكن تأجيلها. فإغلاق المداخل، وفرض حظر التجوال، وزرع الألغام على خطوط التماس، هي إجراءات تُبرر عادة بدوافع عسكرية، لكنها في الوقت ذاته تخلف آثاراً مباشرة على حياة المدنيين، وتحد من قدرتهم على الوصول إلى العمل والتعليم والرعاية الصحية. ويرى عدد من السكان ضرورة ملحة لـ “تنظيم حركة الدخول والخروج بشكل واضح”، وتحديد أوقات ثابتة لفتح المداخل، بالإضافة إلى إطلاق حملات تحذير من مخاطر الألغام والعمل على إزالتها، لتجنب سقوط المزيد من الضحايا. وحتى إشعار آخر، تظل حياة أهالي الحسكة رهينة التطورات الميدانية وحسابات السيطرة المتغيرة، بينما يواصل السكان البحث عن طرق آمنة، وإن كانت أطول وأكثر كلفة، لتسيير شؤونهم اليومية وسط واقع معقد لم تستقر ملامحه النهائية بعد.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي