معرض دمشق للكتاب: انفتاح ثقافي أم إعادة تموضع للسلطة الجديدة في سوريا؟


هذا الخبر بعنوان "معرض دمشق: ولادة ثقافية أم إعادة تموضع للسلطة؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يكن شعار الدورة الاستثنائية من معرض دمشق للكتاب «تاريخ نكتبه… تاريخ نقرأه» مجرد عبارة عابرة في تاريخ المعرض. فقد قدمت الحكومة السورية المؤقتة موعده في لحظة مفصلية، بعد عام من سقوط نظام بشار الأسد، ضمن مساعي إعادة بناء الوجه السياسي للبلاد. بدا المعرض وكأنه ولادة جديدة «تغب ما قبلها»، خاصة بعد سلسلة من المعارك السياسية والاتهامات بالسياسات الطائفية، وجاء برعاية وإشراف ضيفتي الشرف قطر والسعودية، اللتين تشهد الساحة الدولية تقاربهما داخل سوريا.
شارك في هذا الحدث الثقافي الأكبر للإدارة السورية الجديدة نحو 500 دار ومكتبة ومؤسسة من سوريا ومصر وقطر والسعودية والإمارات. وتحول المعرض إلى محط أنظار الصحافيين ومجهر المحللين، الذين سعوا لاستكشاف مدى صدق التحول الثقافي والبحث عن «نوايا خفية» خلف العناوين المفقودة أو الرقابة المحتملة في الكواليس. ومع اختتام فعالياته، طرح السؤال الأبرز: هل تشهد سوريا انفراجاً ثقافياً حقيقياً؟
في سياق تحليل غياب الرقابة الظاهر، يستحضر كتاب «قواعد الفن» لعالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو، الذي يرى أن «الحقل الثقافي ساحة صراع وليس فضاءً بريئاً»، وأن الساحة الثقافية تشكل مجالاً يتنافس فيه الفاعلون على تقديم أنفسهم وانتزاع شرعيتهم الفكرية. فالثقافة، بحسب بورديو، لا تنفصل عن علاقات القوة داخل المجتمعات السياسية. من هذا المنطلق، يمكن قراءة «معرض دمشق الدولي للكتاب»، الذي اختتم فعالياته مؤخراً على أن يعود إلى موعده الدوري في أيلول (سبتمبر) المقبل.
تشير معلومات خاصة إلى دعم قطري كبير، تمثل في توجيه دعوات لناشرين من مصر والعراق، بهدف ضمان أوسع مشاركة وتقديم صورة التنوع المنشودة عن سوريا الجديدة. منذ اليوم الأول، انتشرت عبارات مثل: «وأخيراً صار يمكن الحصول على كتابي في دمشق». فقد حضرت كتب كانت ممنوعة سابقاً، لا سيما لمعارضين معروفين لنظام الأسد، مثل المعارض الراحل ميشال كيلو. كما شاركت دور نشر غابت لسنوات أو مُنعت من العمل خلال حكم «البعث»، مثل دار «المتوسط» السورية التي عملت من إيطاليا وطبعت أعمالاً لكتاب سوريين بارزين، ودار «رياض الريس» من بيروت التي عادت إلى دمشق بعد غياب طويل.
في المقابل، تمكنت دور أخرى من عرض إصداراتها دون خشية رقابية، كما في حالة «دار الفكر»، التي شاركت بسلسلتها «حوارات لقرن جديد»، وضمت أسماء سورية مهمة مثل الطيب تيزيني، والشيخ محمد رمضان البوطي، وصادق جلال العظم، إضافة إلى السياسي المعارض برهان غليون، الذي كان حاضراً في المعرض. وشهد جناح الدار إقبالاً لافتاً من الجمهور والمهتمين. كذلك، شارك القائمون على «دار ممدوح عدوان» للمرة الأولى بشكل مباشر، بعدما اقتصر حضورهم في دورات سابقة على بعض الإصدارات. وفي مشهد جديد، شكل مادة أساسية لمنشورات المشاركين على فايسبوك، تمكن كتاب شباب من توقيع أعمالهم للمرة الأولى دون الخشية التي طبعت العقود السابقة، فيما جاء غياب دور شهيرة كـ «الآداب» و«الفارابي» من لبنان و«المدى» من العراق بقرار ذاتي بعدم المشاركة.
بالعودة إلى بورديو، يمكن فهم مستوى التنظيم العالي وغياب الرقابة الظاهر في المعرض بوصفه محاولة لإظهار قطيعة كاملة مع مرحلة «البعث» وآلياتها الرقابية، على قاعدة «يُظهر حُسنَه الضِدُّ». غير أن بورديو يُحذّر أيضاً من الخلط بين اتساع المجال الظاهر للحريات، وبين الظروف الواقعية، التي يمكن تفسيرها في الحالة السورية بأن طبيعة المرحلة الانتقالية التي تتسم بالفوضى وصعوبة ضبط جميع حقول العمل والنشاط العام، هو ما يترك هامشاً من الحرية غير المؤسّسة. كما إنّ استقلال الحقل الثقافي واستقراره بشكل نهائي، وفقاً لتصوره، لا يتحققان إلا ضمن توازن جديد للقوى، وقد يكون أحياناً نتيجة إعادة توزيع للهيمنة وعقد اجتماعي متوافق عليه بين الجميع.
خلال السير في أروقة المعرض، كان التنوع الأيديولوجي واضحاً: كتب يسارية وماركسية إلى جانب أجنحة تعرض إصدارات إسلامية محافظة. ولخص أحد الزوار المشهد بعبارة «من ماركس إلى ابن تيمية في معرض واحد». غير أن اللافت كان الانتشار الكثيف للكتب الدينية والمصاحف المجانية، مقابل أسعار وُصفت بأنها مقبولة نسبياً لبقية العناوين، وإن كانت مرتفعة قياساً بالدخل المحلي للمواطن السوري. ويمكن فهم الحضور الإسلامي الكثيف في المعرض كجزء من هوية تم الإفراج عنها ولا تزال تشارك تحت شعار «ردة الفعل» في كل نشاط أو فعالية جديدة. وهذا يفسر ارتفاع أصوات تكبير ضمن المعرض أو الإصرار على إبراز الهوية الدينية في الشكل والفعل في هذا الوقت، إلى جانب الوجود العسكري للممثلين عن وزارتي الدفاع والداخلية.
في المقابل، حرصت وزارة الثقافة على إبراز صورة الانفتاح والحرية عبر التأكيد على عدم وجود أي رقابة على أي كتب لضمان أوسع مشاركة في المعرض، رغم تأكيد وزير الثقافة بأن المنع سيطال فقط ما من شأنه إثارة النعرات الطائفية. هذا ما أسفر عن منع كتاب «هل أتاك حديث الرافضة» لأمير تنظيم «القاعدة» الشهير أبو مصعب الزرقاوي. إلا أن الغريب أنّ أحد العاملين في دار «نقش» التي أعلنت عن الكتاب سابقاً، ظهر في فيديو على فايسبوك مشيراً إلى أن الكتاب لا يزال موجوداً، لكن تمّ الاتفاق على إزالته من الواجهة فقط. في هذا السياق، حضرت عناوين لشيخ الإسلام المثير للجدل ابن تيمية، وشكلت المنشورات ذات الطابع الإسلامي والفقهي نسبة كبيرة في المعرض، إذ بلغ عددها حوالى 300، إضافة إلى كتب وأبحاث عن الحجاب والرداء المناسب للمرأة المسلمة وغيرها من تفاصيل الشريعة الإسلامية، وصولاً إلى الدراسات في المجال.
بدورهم، حضر العلويون في عناوين عدد من الكتب أشهرها «العلويون النصيريون الهوية والمعتقدات: مدخل في تاريخ أقلية رائدة» (سطور) للباحث يارون فريدمان، وكتاب «العلويون، الخوف والمقاومة» (المتوسط)، فيما لم تتوافر أحدث المطبوعات عن الطائفة العلوية التي أعلن عنها «المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات» نظراً إلى عدم توافر الوقت الكافي لطبع كمية كافية للمعرض. ومن الكتب الأخرى، إصدارات تناولت الثورة والرأسمالية عبر مؤلفات عن لينين وماركس. ولم يغب الكتاب الفلسطيني الذي كان حاضراً عبر دواوين محمود درويش ورواية الشهيد يحيى السنوار «شوك القرنفل». كما كان لافتاً وجود كتاب داروين «أصل الأنواع» بطبعات مختلفة.
لم يكن حضور قطر والسعودية كضيفتي شرف تفصيلاً بروتوكولياً. في الخلفية، برز دور مؤسسات بحثية عربية في إدارة ندوات ركزت على «سوريا ما قبل البعث»، في إعادة قراءة للتاريخ الوطني خارج السردية الرسمية السابقة. هنا يستدعي المشهد مفهوم «القوة الناعمة» لدى جوزيف ناي، الذي يرى أنّ الدول لا تمارس نفوذها فقط عبر الاقتصاد أو السلاح، بل عبر الجاذبية الثقافية وصناعة المعنى. في هذا الإطار، تحول المعرض إلى منصة ديبلوماسية بامتياز، خصوصاً مع الاهتمام الواسع الذي حصل عليه عبر حضور صحافيين لبنانيين وعرب وأجانب حرصوا على معاينته عن قرب.
كان الإقبال الشعبي والجماهيري واحداً من العناوين اللافتة خلال المعرض الذي أقيم في مدينة المعارض، مع تنظيم لوجستي جيد. لكن لا يمكن التأكيد على أنّ الأعداد الكبيرة انعكست على شراء الكتب، خصوصاً مع المشكلات الاقتصادية التي يعانيها السوريون وانخفاض القوة الشرائية خلال الأشهر القليلة الماضية. وبذلك، يمكن قراءة المشاركة الكبيرة كبحث عن متنفس اجتماعي، فالمعرض تحوّل إلى مساحة عامة نادرة، يلتقي فيها الناس خارج الاصطفافات العسكرية والسياسية، ولو غاب عن الحضور زوار من محافظات أخرى، خصوصاً الساحل والسويداء بعد التوترات الأخيرة التي جعلت السفر لبعض السوريين بين المحافظات مخاطرةً أمنية. مع ذلك، يمكن اعتبار أن المعرض قدّم صورة دولة حديثة، عبر تنظيم جيد، وزي موحد للعاملين، وحضور إعلامي مكثف، ومنصات رقمية.
من جهة أخرى، لم تغب مظاهر السلطة التقليدية: مواكب رسمية، حضور أمني، خصوصاً مع وجود جناح خاص بوزارة الدفاع استعرض مجسمات لأسلحة استخدمت خلال القتال ضد النظام، بينها «جرة الغاز» التي أثارت جدلاً واسعاً. إذ طرح بعضهم سؤالاً: ما معنى التفاخر بسلاح أعمى راح ضحيته مدنيون، وما الفرق لو أنّ النظام السابق فعل ذلك، مع استبدال الجرة ببرميل؟! سؤال يشير إلى طبيعة المرحلة الانتقالية نفسها التي تحاول فيها السلطة الجديدة إعادة تقديم ذاتها من دون أن تتخلى عن أدوات السيطرة والترهيب.
سوريا محلي
اقتصاد
اقتصاد
سياسة