العمل من المنزل: امتياز ذهبي يتحول إلى عبء مضاعف وتحديات خفية تواجه المرأة


هذا الخبر بعنوان "سوبر هيرو ماما.. كيف يتحول العمل من المنزل إلى عبء مضاعف على المرأة؟" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يُعدّ العمل من المنزل، للوهلة الأولى، امتيازاً ذهبياً للكثير من النساء، لا سيما الأمهات، فهو يَعِدُ بالتخلص من عناء المواصلات والدوام الطويل خارج البيت، ويوفر قدرة أكبر على رعاية الأطفال وإمكانية الموازنة بين متطلبات العمل والأسرة. لكن خلف هذه الصورة الوردية، تخفي التجربة واقعاً أكثر تعقيداً للعديد من النساء، حيث يتحول المنزل إلى مكتب دائم، ويصبح العمل مهمة إضافية تُضاف إلى قائمة طويلة من الأعمال المنزلية التي غالباً ما تكون غير معترف بها.
توضح هبة، وهي صحفية دمشقية تعمل عن بعد، في حديثها لـ«سناك سوري»، أن «البعض يظن أن العمل عبر الإنترنت أسهل وأقل إرهاقاً، لكن الحقيقة هي تداخل الأعمال بشكل مرهق». وتضيف: «أحياناً يُطلب مني إنجاز مادة عاجلة بالتزامن مع امتحان الأولاد أو زيارة عائلية، فجأة تجدين نفسكِ في سباق مع الزمن، لا تريدين التقصير لا في العمل ولا في البيت». تصف هبة حالتها بأنها أشبه بـ«سوبر هيرو ماما»، تحاول إنجاز كل شيء دفعة واحدة، لكنها تدفع الثمن نفسياً، قائلة: «تصبح المرأة معصّبة، مضطربة، ويؤنبها ضميرها دائماً: هل أنجزت المادة جيداً؟ هل قصرت مع أولادي؟ ماذا سيقول المدير؟». ومع مرور الوقت، يتحول العمل من المنزل إلى عزلة اجتماعية، فلا يتبقى وقت للخروج أو للأصدقاء، وتُستنزف حتى أوقات الفراغ في إنجاز «المتراكمات».
من جانبها، تشير ناديا، وهي صحفية من ريف دمشق، إلى أن إحدى المشكلات الأساسية تكمن في عدم اعتراف البيئة المحيطة بالعمل عبر الإنترنت كدوام حقيقي. وتوضح: «كانت تحدث خروقات وزيارات، وكأنني متفرغة، مع أنني محررة ولدي ساعات عمل يومية محددة». وتضيف ناديا أن تعلُّق الأطفال بالأم، خاصة في سن ما قبل المدرسة، يؤثر بشكل مباشر على إنتاجيتها، وكذلك مرض الطفل الذي يعطل عملياً دوام الأم حتى لو كانت تعمل من المنزل.
أما على صعيد الدعم داخل المنزل، فغالباً ما يكون الدعم الزوجي متقلباً وغير ثابت. تروي ناديا أن زوجها كان متعاوناً في بداية تجربتها، ويتحمل بعض التقصير في الأعمال المنزلية، لكن هذا التعاون لم يستمر على نفس الوتيرة. وتشرح: «أحياناً يكون متعاوناً، وأحياناً أخرى يكون محاسباً وغير متغافل، وهذا يسبب ضغطاً نفسياً كبيراً. وفي لحظة تعب حقيقي، قد تضطر المرأة لترك العمل كله». وقد وصلت ناديا نفسها إلى هذه المرحلة، حيث تركت العمل لفترة بسبب تدهور صحتها النفسية، قائلة: «طاقتي نفدت. اخترت البيت وتركت ضغوطات العمل. لم يكن الأمر سهلاً، لكنني لم أعد أتحمل».
تُجمع الشهادات على أن المشكلة لا تقتصر على ضغط العمل فحسب، بل تمتد لتشمل غياب المشاركة الحقيقية من الزوج في المسؤوليات المنزلية، أو اعتبار هذه المشاركة مجرد «مساعدة» وليست واجباً أساسياً. تؤكد هبة بوضوح: «لو كانت لدي تغطية صحفية وزوجي موجود في البيت، ما المانع من أن يساعدني؟ هذا لا ينقص من رجولته. مشكلتنا تكمن في تنميط المهام؛ فالطبخ والبيت للمرأة، والعمل للرجل، وهذا تصنيف غير صحيح». وتضيف أن المجتمع يمارس ضغطاً إضافياً عبر خطاب أخلاقي مستمر، مثل: «لماذا تعملين؟ بيتك وأولادك أولى، صحتك تتراجع»، بينما يتم تجاهل الأسباب الحقيقية التي تدفع المرأة للعمل، سواء كانت دوافع مادية أو رغبة في تحقيق الذات والاستقلال.
من جهتها، ترى رشا، مديرة تحرير مجلة أعمال عربية، أن أحد أكبر التحديات يكمن في تلاشي الحدود الفاصلة بين الحياة الشخصية والمهنية. وتوضح: «لا يوجد جرس دوام، والمدير قد يتواصل معك في أي ساعة، فتجدين العمل يلتهم جزءاً كبيراً من حياتك الشخصية». وتضيف أن فكرة العمل «من البيجاما» ليست ميزة كما تبدو، قائلة: «نحن بحاجة للخروج، والاهتمام بمظهرنا، ورؤية العالم. عندما تنامين وتستيقظين وتعملين في نفس المكان، تشعرين وكأنك أسيرة». كما تشير إلى أن النساء أنفسهن، خاصة غير العاملات، يشكلن عائقاً إضافياً، حيث يزرنها فجأة قائلات: «جئنا لشرب فنجان قهوة سريع»، وكأن لا يوجد عمل طالما هي في المنزل، فهي متفرغة.
تتفق جميع هذه التجارب على وجود شعور دائم بالذنب، ذنب تجاه العمل في حال التقصير، وذنب تجاه البيت إذا تركز الاهتمام على العمل، وذنب تجاه الذات لعدم القدرة على تحقيق المثالية في كل الجوانب. وتلخص هبة هذا التحدي بقولها: «هذه الدائرة بين تأنيب الضمير ومحاولة تجاوز التقصير هي أكبر تحدٍ للعمل من المنزل».
من جانبها، ترى صبحية دركزنلي، الناشطة في قضايا النساء والمجتمع المدني، أن العمل من المنزل، بغض النظر عن طبيعته أو مجاله، يمثل خطوة أولى مهمة نحو تمكين النساء اقتصادياً، وغالباً ما يمهد الطريق لأشكال أخرى من التمكين لاحقاً. وتوضح لـ«سناك سوري» أن الاستقلالية المادية هي الفارق الأهم في حياة النساء، لأنها تمنحهن نقطة قوة تمكنهن من التفكير بخيارات بديلة، وتغيير مسار حياتهن، والخروج من دائرة الاعتماد الكلي على الآخرين.
وبينما لا تنكر دركزنلي وجود بعض الآثار السلبية للعمل من المنزل، مثل غياب الفصل التام بين الحياة الخاصة والمهنية، إلا أنها تعتبر أن هذه السلبيات محدودة مقارنة بالإيجابيات. فبالنسبة للكثير من النساء، أتاح العمل عبر الإنترنت تجاوز عوائق كبيرة كانت تحول دون دخولهن سوق العمل، كبعد المسافات، وصعوبات المواصلات، والالتزامات المنزلية، خاصة لمن تتحمل مسؤولية الرعاية. وتشير إلى أن وجود المرأة في المنزل لا يعني بالضرورة تعطل عملها، بل على العكس، قد يمنحها قدرة أكبر على تنظيم وقتها بما يتناسب مع طبيعة عملها وظروفها الأسرية، ويجعلها قريبة من عائلتها معظم الوقت دون أن تُقصى بالكامل عن المجال المهني.
لكن هذا الخيار، بحسب دركزنلي، لا يتحقق كتمكين تلقائي في جميع الحالات، بل يتطلب شروطاً واضحة لضمان عدم تحوله إلى عبء إضافي على النساء. وفي مقدمة هذه الشروط، تحديد ساعات عمل واضحة ومرنة، وتوفير أدوات وتقنيات مناسبة كالإنترنت المستقر وأدوات العمل المريحة، بالإضافة إلى تخصيص مساحة داخل المنزل للعمل، بما يضمن قدراً من الفصل بين الحياة العائلية والشخصية والمهنية.
وتختتم دركزنلي بأن العمل من المنزل قد خفف بالفعل الكثير من التحديات التي كانت تعيق حصول النساء على فرص عمل، لكنه لا يزال بحاجة إلى بيئة داعمة داخل البيت وخارجه، لكي لا يبقى مجرد حل جزئي لمشكلة أعمق.
سياسة
سياسة
صحة
سياسة