اقتصاد الظل: تريليونات الدولارات خارج الرقابة.. تحديات عالمية تهدد استقرار الدول ونموها


هذا الخبر بعنوان "اقتصاد الظل.. تريليونات الدولارات تستنزف موارد الدول" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في الوقت الذي تبذل فيه الحكومات جهوداً حثيثة لتعبئة الموارد اللازمة لسد العجز وتحفيز النمو الاقتصادي، ينمو جزء كبير من الاقتصاد العالمي في الخفاء، بعيداً عن السجلات الرسمية للدولة. هذه المعاملات غير المسجلة، والضرائب غير المحصلة، والأموال التي تتدفق خارج نطاق الرقابة، تُعرف مجتمعة بـ "اقتصاد الظل"، الذي بات اليوم من أكثر القضايا تعقيداً وتأثيراً على الاستقرار المالي والنمو المستدام على مستوى العالم.
يُعرف اقتصاد الظل، أو الاقتصاد الموازي أو غير الرسمي، بأنه يضم جميع الأنشطة الاقتصادية، سواء كانت مشروعة أو غير مشروعة، التي لا تُدرج ضمن الحسابات القومية للدخل ولا تخضع للضرائب أو لأنظمة العمل والضمان الاجتماعي. يتسع نطاق هذا الاقتصاد ليشمل العمل غير المصرح به، والتهرب الضريبي، والتجارة غير المنظمة، بالإضافة إلى التعاملات النقدية التي تتم خارج إطار النظام المصرفي الرسمي.
تُظهر الإحصائيات حجماً هائلاً لهذا القطاع الخفي. فوفقاً لدراسة شاملة أجراها صندوق النقد الدولي عام 2018، وشملت 158 دولة بين عامي 1991 و2015، بلغ متوسط حجم اقتصاد الظل عالمياً 31.9% من الناتج المحلي الإجمالي. وقد تصدرت دول معينة قائمة الاقتصادات الخفية بنسب مرتفعة، منها:
في المقابل، تمكنت اقتصادات أخرى من تقليص هذا القطاع إلى مستويات متدنية، مثل:
وتشير تقديرات اقتصادية إضافية إلى أن اقتصاد الظل يستحوذ على ما يتراوح بين 20% و30% من الناتج العالمي، ما يعادل تسرب تريليونات الدولارات سنوياً من الموازنات الحكومية الرسمية.
لا يقتصر اقتصاد الظل على الدول النامية فحسب؛ ففي الولايات المتحدة، وعلى الرغم من قوة مؤسساتها، قُدر حجم اقتصادها الخفي بنحو تريليون دولار في عام 2009، أي حوالي 8% من ناتجها المحلي الإجمالي. ومع ذلك، أدت تداعيات الأزمة المالية العالمية في عام 2008 إلى توسع الأنشطة غير الرسمية، لترتفع التقديرات إلى نحو تريليوني دولار بحلول عام 2013، مما يؤكد ميل اقتصاد الظل للتوسع في فترات الانكماش الاقتصادي وعدم اليقين.
يُسفر استمرار هذا القطاع عن خسائر فادحة تتحملها الدول، ومن أبرزها:
يدور جدل اقتصادي واسع حول هذه الظاهرة؛ ففي حين يرى بعض الخبراء أن اقتصاد الظل يوفر فرص عمل ويُشكل متنفساً لرواد الأعمال لتجاوز القيود البيروقراطية، يحذر آخرون من أن تمدده يقوض الإيرادات العامة ويعيق النمو الاقتصادي على المدى الطويل. وتُجمع غالبية الدراسات، بما في ذلك تحليلات البنك الدولي، على أن تجاوز نسب معينة يحول هذا الاقتصاد من "ملاذ مؤقت" إلى "عائق هيكلي" أمام التنمية.
وتربط تقارير اقتصادية، منها تحليلات صادرة عن موقع "إنفستوبيديا"، انتشار هذه الظاهرة بالتعقيدات الإدارية، وارتفاع معدلات الضرائب، وضعف الثقافة الضريبية، بالإضافة إلى عوامل مثل الفساد والبطالة والأزمات الاقتصادية.
ويُعتبر التحول نحو المدفوعات الرقمية إحدى أبرز أدوات مواجهة اقتصاد الظل؛ فكل معاملة إلكترونية تترك أثراً رقمياً يسهل تتبعه، مما يحد من التداول النقدي الذي يُعد بيئة خصبة للأنشطة غير الرسمية. وقد شهدت الدول التي ربطت الفوترة الضريبية بالمنصات الرقمية تحسناً ملحوظاً في التحصيل وزيادة في الشفافية المالية، شريطة توفر البنية التحتية المصرفية وثقة المواطنين بالنظام المالي.
مع تصاعد الاقتصاد الرقمي وانتشار العمل الحر عبر المنصات العالمية، ظهر شكل أكثر تعقيداً لاقتصاد الظل. فملايين الأفراد يعملون عبر الإنترنت لجهات تقع خارج بلدانهم، ضمن معاملات عابرة للحدود يصعب إخضاعها للأنظمة الضريبية التقليدية. يثير هذا التحول أسئلة جوهرية أمام الحكومات، منها: كيفية تحصيل الضرائب من الدخل الرقمي العابر للدول؟ وكيف يمكن إدراج هذه الأنشطة ضمن الحسابات القومية؟ وكيف يمكن تحقيق التوازن بين تشجيع الابتكار وضمان ضبط الإيرادات؟
بطبيعته، لا يُقدم اقتصاد الظل إقرارات ضريبية ولا يظهر في التقارير الرسمية، مما يدفع الباحثين إلى الاعتماد على مؤشرات غير مباشرة لقياسه. تشمل هذه المؤشرات مقارنة الإنفاق الفعلي بالدخل المصرح به، أو تحليل حجم السيولة النقدية المتداولة. وكلما اتسعت الفجوة بين النشاط الاقتصادي الفعلي والنشاط الرسمي، تزايدت مخاطر اختلال السياسات الاقتصادية.
يُشكل اقتصاد الظل قوة اقتصادية موازية بحجم اقتصادات دول كبرى. ورغم قدرته على توفير متنفس مؤقت خلال الأزمات، إلا أن تمدده المستمر يُضعف قدرة الدول على تمويل مشاريع التنمية ويزيد من هشاشة أنظمتها المالية. وفي ظل سعيها لمواجهة هذه الظاهرة، تخوض الحكومات سباقاً مع اقتصاد لا يظهر في الضوء، لكنه يؤثر في كل جانب من جوانب الحياة، وذلك من خلال تبني الرقمنة، وتنفيذ الإصلاحات الضريبية، وتعزيز الثقة بالمؤسسات الرسمية.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد