مضيق هرمز: ورقة إيران الاستراتيجية الأخيرة في مواجهة التصعيد الأمريكي


هذا الخبر بعنوان "مضيق هرمز.. الورقة الإيرانية الأخيرة في وجه التهديدات الأمريكية" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
على الرغم من استمرار حركة ناقلات النفط العملاقة عبر مضيق هرمز، الذي يربط الخليج العربي بخليج عُمان، إلا أن المنطقة تشهد منذ أسابيع هدوءًا حذرًا يخفي توترًا متصاعدًا. يراقب الحرس الثوري الإيراني هذه الحركة الملاحية الحيوية، التي تمثل ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا ونحو 11% من حجم التجارة العالمية، وذلك عبر زوارقه السريعة ومنصاته الصاروخية. في المقابل، ترصد الرادارات تحركات الأسطول الأمريكي الذي يواصل حشده العسكري غير المسبوق في المنطقة. يتزامن هذا المشهد مع مفاوضات بدأت في مسقط ثم انتقلت إلى جنيف، مما يرسم صورة لتوتر قد ينفجر في أي لحظة.
يُعد مضيق هرمز أكثر من مجرد ممر ملاحي بالنسبة لإيران؛ فهو يمثل ورقتها الأخيرة وسلاحها الذي يمكن أن تستخدمه في حال فشل جميع المسارات الدبلوماسية. في ظل التهديدات الأمريكية والإسرائيلية بشن عمل عسكري "ضخم"، يبرز المضيق كأقوى أوراق الضغط الإيرانية. لا يقتصر دوره على كونه ممرًا لـ 20 مليون برميل نفط يوميًا، بل هو أيضًا "الخيار الأخير" لتعطيل سلاسل الإمداد العالمية. أي اضطراب فيه سيكون له تأثير فوري على أسواق الطاقة العالمية نظرًا لحجم النفط الهائل الذي يمر عبره. يمكن تعطيل الملاحة فيه باستخدام ألغام بحرية وصواريخ ساحلية وزوارق سريعة، لكن هذا السيناريو يُنظر إليه كخيار أخير بسبب تكلفته الباهظة على إيران نفسها وشركائها التجاريين، مثل الصين التي تعد أكبر مستورد للنفط الإيراني، بالإضافة إلى تداعياته على دول الخليج. لذلك، غالبًا ما يظهر هذا الخيار في تصريحات نواب أو وسائل إعلام محلية، وليس على لسان كبار المسؤولين التنفيذيين الذين يدركون أن ورقة هرمز قد تتحول إلى أزمة دولية شاملة يصعب السيطرة عليها.
في رسالة ميدانية واضحة تزامنت مع الجولة الثانية للمفاوضات في جنيف، أعلن التلفزيون الرسمي الإيراني إغلاق مضيق هرمز لعدة ساعات لتنفيذ المرحلة الثانية من مناورات "التحكم الذكي بمضيق هرمز". أكد قائد القوات البحرية في الحرس الثوري، علي رضا تنكسيري، أن "قرار إغلاق المضيق بيد كبار مسؤولي النظام"، مشددًا على استعداد الجيش لإغلاقه في أي وقت. ونشرت وكالة فارس الإيرانية لقطات مصورة تُظهر إغلاق القوات البحرية التابعة للحرس الثوري للممر المائي الحيوي أمام حركة الملاحة، بالتزامن مع إطلاق صواريخ متطورة واستخدام طائرات مسيرة وغواصات، مما يعكس قدرة إيران العالية واستعدادها لمواجهة أي تهديد، حسب الوكالة. وأوضح تنكسيري أن الأسلحة المستخدمة في زمن الحرب تختلف عن تلك المستخدمة في المناورات، مؤكدًا أن "الرد السريع والشامل على مخططات الأعداء" هو المحور الأساسي لاختبار الجاهزية.
بالتزامن مع استمرار المناورات، كشفت صور الأقمار الصناعية الحديثة عن تمركز ثلاث سفن أجنبية محتجزة في نطاق بحري ضيق قرب "بندر عباس". تُظهر البيانات أن هذه السفن الثلاث لا تزال راسية في مواقع شبه ثابتة منذ فترات ممتدة، مما يحولها من مجرد قضايا قانونية إلى "أصول بحرية" ضمن حسابات الردع الجيوسياسي. يمنح هذا التمركز قرب المدخل الشمالي للمضيق طهران القدرة على التعامل مع الحمولات المصادرة ضمن نطاق سيادتها، ويرسل رسائل ضغط كلما تعثرت المسارات الدبلوماسية.
على الجانب الآخر، نقل موقع "أكسيوس" عن مستشار للرئيس دونالد ترمب تقديره باحتمال 90% لشن عمل عسكري ضد إيران في الأسابيع المقبلة، واصفًا العملية المرتقبة بأنها "ضخمة وتشبه حربًا شاملة". وفيما أكد وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت أن واشنطن ستمنع إيران من حيازة سلاح نووي "بطريقة أو بأخرى"، ردت طهران عبر المتحدثة باسم حكومتها بأنها تتبع مسار "التفاوض والجاهزية الدفاعية" بشكل متوازٍ. ومع تأكيد التقارير أن إدارة ترمب باتت أقرب إلى "حرب كبرى" قد تستمر لأسابيع، يبدو أن مضيق هرمز يتهيأ ليكون "ساحة الصراع الأولى" إذا ما قررت القيادة السياسية تحويل التهديدات إلى واقع ملموس.
تكمن الأهمية البالغة لمضيق هرمز في كونه الممر البحري الوحيد الذي يربط الخليج العربي بالمياه المفتوحة والعالم. يمر عبره نحو 11% من حجم التجارة العالمية، وأكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا، وما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي من النفط ومشتقاته، أي أكثر من 20 مليون برميل يوميًا، بالإضافة إلى نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا، وذلك وفق تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية لعام 2024 والربع الأول من 2025. لم يقتصر دور المضيق على كونه ممرًا ملاحيًا فحسب، بل ارتبط تاريخيًا بالصراعات الكبرى في المنطقة، وتحول منذ ثمانينيات القرن العشرين إلى ساحة تتقاطع فيها المصالح والصراعات الإقليمية والدولية، وورقة ضغط مؤثرة. بحلول منتصف يونيو/حزيران 2025، بلغ متوسط حركة السفن في المضيق حوالي 144 سفينة يوميًا. يحتل مضيق هرمز أهمية لوجستية قصوى، حيث أن البدائل العملية لتصدير منتجات الطاقة محدودة جدًا، ويؤدي إغلاقه، حتى لو كان مؤقتًا، إلى تعطيل سلاسل الإمداد ورفع تكاليف الشحن، مما يفضي إلى ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا.
إن إغلاق مضيق هرمز بشكل كامل، في حال حدوثه، سيؤدي إلى نقص حاد في إمدادات النفط والغاز وانهيار أسواق الطاقة العالمية، وقد يدفع سعر برميل النفط إلى 100 دولار أو أكثر في غضون أيام، فضلاً عن ارتفاع هائل في تكاليف التأمين البحري. عسكريًا، ستعتبر الولايات المتحدة وحلفاؤها حرية الملاحة في المضيق خطًا أحمر، وقد يتدخلون عسكريًا لإعادة فتحه، مما يفتح الباب أمام سيناريوهات حرب غير محسومة. تتشكل في هذه المياه الضيقة معادلة معقدة تجمع بين المفاوضات في جنيف، والتهديدات في واشنطن، والمناورات في هرمز، والسفن المحتجزة قرب بندر عباس. يبقى السؤال المطروح: هل سيظل هذا المضيق ممرًا آمنًا للطاقة العالمية، أم سيتحول إلى ساحة مواجهة بين طهران وواشنطن إذا فشلت المساعي الدبلوماسية؟
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة