سوريا: مدونة سلوك إعلامية تثير جدلاً واسعاً حول الاستقلالية وحرية الصحافة


هذا الخبر بعنوان "“مدونة سلوك” لإعلام سوريا.. ما أهميتها ولماذا يعارضها البعض؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهدت العاصمة السورية دمشق مؤخراً إشهار مدونة السلوك المهنية والأخلاقية للعاملين في القطاع الإعلامي السوري، وذلك في حفل أقيم تحت رعاية وزارة الإعلام بفندق الداما روز. حملت المدونة، التي جاءت في 112 صفحة، شعار "إعلام مهني .. كلمة مسؤولة"، وتعد ثمرة جهود استمرت لستة أشهر من الورش التخصصية والاجتماعات التي قادتها "اللجنة الوطنية المستقلة لإعداد المدونة"، بمشاركة نحو ألف صحفي سوري.
تضمنت المدونة عشر مواد تغطي المعايير الأخلاقية والمهنية، وحماية الخصوصية والبيانات، والمتابعة والمساءلة، إضافة إلى قضايا متصلة باستخدام الذكاء الاصطناعي وتغطية النزاعات وشؤون أخرى تتعلق بعمل الإعلاميين والصحفيين. كما اشتملت على ميثاق شرف وملحق خاص بصناع المحتوى، وصدرت بثلاث لغات هي العربية والإنجليزية والكردية.
انتقادات ومخاوف من تقييد الحريات
على الرغم من الأهداف المعلنة لضبط المحتوى، واجهت المدونة انتقادات واعتراضات من جهات مهنية وصحفيين. تركزت هذه الانتقادات حول عدم استقلالية الجهة التي أصدرتها وارتباطها بالمؤسسة الرسمية، والمخاوف من أن تلعب المدونة دوراً رقابياً يحد من حرية الإعلام والتعبير.
من جانبه، أوضح عمر حاج أحمد، مدير الشؤون الصحفية في وزارة الإعلام، أن قطاع الإعلام في سوريا يعاني في غالبه من "خطاب ومحتوى يفتقران إلى المهنية"، بالإضافة إلى انتشار خطاب الكراهية والتحريض. وأكد للجزيرة نت أن هذا الوضع جعل من الضروري وضع مدونات سلوك أخلاقية لضبط هذا المحتوى. وبيّن حاج أحمد أن الوزارة رعت الإشراف على صياغة المدونة بالشراكة مع نخبة من الصحفيين ذوي الكفاءة ومديري عدد من المؤسسات المعنية بالشأن الإعلامي، مشدداً على أن دور الوزارة كان إشرافياً بحتاً، واقتصر على تنظيم وتنفيذ الورشات دون أي تدخل في الإعداد أو الصياغة أو التعديل أو التأثير في المخرج النهائي.
وفيما يخص إلزامية المدونة، أشار حاج أحمد إلى أنها تُعد "التزاماً أخلاقياً ذاتياً"، لكن الإطار العملي لممارسة الصحافة وصناعة المحتوى سيبقى ملزماً بالمعايير المهنية والأخلاقية الواردة فيها. وحذر من أن الدافع الأبرز لتبني المدونة هو "الانتشار الواسع لخطاب الكراهية والتضليل عبر بعض المؤسسات الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي"، معتبراً أن هذا الخطاب قد يسهم في إعادة إنتاج الحروب وتفكيك المجتمع السوري. وأضاف أن المدونة ستؤدي دوراً محورياً في ضبط هذا الخطاب عبر إجراءات ذاتية ومسلكية، قد تصل إلى عدم السماح بالمزاولة عند تجاوز حدود حرية التعبير إلى التحريض على الكراهية أو الحث على القتل والعداوة.
رفض رابطة الصحفيين السوريين وملاحظات "الشرق نيوز"
أعلنت رابطة الصحفيين السوريين (مستقلة) في بيان لها اعتراضها على مدونة السلوك، معتبرة إياها "خرقاً لحرية العمل الصحفي ومحاولة لشرعنة التدخل التنفيذي في مهنة يفترض أن تبقى مستقلة". وأكدت الرابطة أن أي مدونة سلوك مهني لا تنبثق عن نقابات مستقلة ولا تصاغ بإرادة الصحفيين أنفسهم، تظل فاقدة للشرعية المهنية. كما رفض البيان ما أسماه محاولة "فرض وصاية حكومية على العمل الصحفي أو شرعنة الرقابة تحت غطاء أخلاقي"، معتبراً ذلك يتعارض مع متطلبات المرحلة الانتقالية والإعلان الدستوري الذي يكفل استقلال الإعلام وحرية التعبير.
بدوره، رأى فراس علاوي، رئيس تحرير "الشرق نيوز"، أنه كان من الأفضل ألا تصاغ المدونات السلوكية الخاصة بالصحفيين والكتاب تحت إشراف جهات حكومية، حتى في حال عدم تدخلها المباشر، لأن مجرد الإشراف يثير شبهة احتمال الضغط أو التأثير. وحدد علاوي أبرز الانتقادات الموجهة إلى المدونة في حديثه للجزيرة نت:
واقترح علاوي أن تتولى صياغة المدونة الروابط والنقابات والمنظمات المعنية بالعمل الصحفي السوري، عبر عملية استشارية أوسع تستند إلى استبيانات يملؤها الصحفيون أنفسهم، لضمان تمثيل أوسع وتوافق أكبر. كما انتقد إشراك "شخصيات غير مهنية من العاملين في مواقع التواصل الاجتماعي" و"شخصيات مرتبطة بالنظام السابق" في لجنة الإعداد. وتحفظ علاوي على مسألة إدانة القناة أو المؤسسة الصحفية التي تستضيف شخصاً يتبنى خطاباً لا يتوافق مع مضامين المدونة، معتبراً أن المسؤولية تقع على الضيف نفسه.
رد الوزارة وتأكيد على الضمانة الذاتية
رداً على هذه الانتقادات، شدد عمر حاج أحمد على أن المدونة تُشكل ضمانة للصحفي والمجتمع والجمهور، ولا تُمثل قيداً على الحرية، باعتبار أن الالتزام بها ذاتي. واعتبر أن رفض هذه المعايير يعكس غياب المهنية. وأضاف أن الوزارة تبنت هذا المنتج الذي شارك في صياغته قرابة ألف صحفي، وستعمل على تطبيقه ضمن مؤسساتها الإعلامية الحكومية، متسائلاً عن مبرر عدم تبني هذه المعايير التي تتضمن تفاصيل ومضامين لا يختلف عليها اثنان.
تأتي هذه التطورات في ظل الساحة الإعلامية السورية التي تشهد، منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، حالة جديدة من حرية العمل والحركة، رافقها قدر من الفوضى وتباين المعايير وغياب الأطر الناظمة، مما جعل الحاجة ملحة إلى نقاش واسع حول كيفية تنظيم القطاع على أسس مهنية توازن بين صون حرية التعبير وضبط الأداء الإعلامي دون المساس باستقلاليته.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة