رمضان: مشروع متكامل لبناء الإنسان وتجديد الوعي الروحي


هذا الخبر بعنوان "هكذا يصبح شهر رمضان مشروعاً متكاملاً لصناعة إنسانٍ أرقى" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يؤكد المهندس نضال رشيد بكور أن أصدق التهانئ هي تلك التي خرجت من فم محمد ﷺ، وأن الكلمات الأكثر بقاءً أثراً هي التي ربطت الزمن بالرحمة، والعبادة بالكرامة، والإنسان بربّه.
من وحي هذه التهنئة النبوية، يمكننا قراءة شهر رمضان قراءةً فلسفيةً عميقة تتخطى مجرد الطقوس لتصل إلى جوهر المعنى، وتتجاوز الإحساس بالجوع إلى إدراك الوعي الحقيقي. إن رمضان زمنٌ يغمر الإنسان بذاته، كما جاء في الحديث الشريف: "أتاكم رمضان شهرٌ يغشاكم الله فيه". هذا الفعل "يغشاكم" يحمل دلالة عجيبة، فكأن الرحمة ليست مجرد حدثٍ عابر، بل هي غطاءٌ يحيط بالإنسان من كل الجهات.
وهنا تتجلى الفلسفة الجوهرية الأولى: رمضان ليس مجرد شهرٍ تُمارس فيه العبادات، بل هو ظرفٌ كونيٌّ تتنزل فيه الرحمة الإلهية علينا. إنه وقتٌ يتبدل فيه ميزان العلاقة بين السماء والأرض؛ حيث تنزل الرحمة، وتُحطّ الخطايا، ويُستجاب الدعاء. يبدو الكون بأكمله وكأنه يدخل في حالة انفتاحٍ إلهيٍّ استثنائي.
إن جدلية السقوط والنهوض تتجلى في مفهوم الخطأ والرجاء، حيث "تُحطّ الخطايا". الفلسفة الأخلاقية الكامنة في هذا التعبير عميقة؛ فالخطأ في التصور الإسلامي ليس قدراً أبدياً محتوماً، بل هو حالة قابلة للمحو والتجاوز. يذكّر رمضان الإنسان بأن هويته الحقيقية لا تتحدد بمجموع زلّاته، بل بقدرته على التوبة والعودة. تُحطّ الخطايا ليس لأن الإنسان كامل، بل لأنه يعترف بضعفه البشري، وهنا يتحول الضعف من عيبٍ إلى بابٍ للنجاة والخلاص.
الدعاء هو لحظة صدق الوجود، و"يُستجاب الدعاء". إنه ليس مجرد طلبٍ، بل هو اعترافٌ فلسفيٌّ عميق بأن الإنسان ليس مكتفياً بذاته، بل هو إعلانٌ لافتقاره وحاجته إلى خالقه. في عالمٍ يمجد الاكتفاء الذاتي والقوة والاستقلال، يأتي رمضان ليعيد تعريف مفهوم الكرامة؛ فالكرامة الحقيقية ليست في الاستغناء عن الله، بل في اللجوء إليه والتوكل عليه.
وهنا نرى تكريم الإنسان من خلال مباهاة الله به أمام ملائكته، كما جاء: "ويُباهي بكم ملائكته". في هذه اللحظة، يبلغ التكريم الإلهي ذروته؛ فالإنسان، هذا الكائن الذي يخطئ، يُرفع مقامه ليصبح موضع فخرٍ ومباهاةٍ في الملأ الأعلى. الفلسفة هنا واضحة: قيمة الإنسان لا تكمن في كماله المطلق، بل في جهاده المستمر لنفسه. فالملَك لا يعصي، بينما الإنسان يجاهد نفسه ويصارع شهواته، ولهذا كانت مباهاة السماء به أعظم وأجل.
إن الشقي حقاً هو من حُرم رحمة الله في هذا الشهر الفضيل. فالشقي ليس من فقد مالاً أو خسر منصباً، بل هو من ضيّع فرصة الرحمة حين فُتحت له أبوابها على مصراعيها. هنا ينقلب مفهوم الخسارة رأساً على عقب، لتصبح الخسارة ليست مادية، بل روحية ومعنوية.
رمضان هو امتحانٌ للانتباه واليقظة. فالفرصة متاحة، لكن الوعي بها هو العنصر الفاصل. إن الأمن والإيمان يشكلان فلسفة الاستقرار الداخلي، كما في الدعاء: "اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان". يتقدم الأمن على الإيمان، فلا طمأنينة حقيقية بلا إيمان راسخ، ولا إيمان يترسخ بلا أمن. إنها دعوة لإعادة ترتيب الأولويات الداخلية قبل الخارجية، فالسلامة الحقيقية لا تكمن في غياب الخطر، بل في حضور الطمأنينة والسكينة في القلب.
رمضان هو مشروعٌ متكامل لبناء الإنسان. فالصلاة والصيام وتلاوة القرآن ليست مجرد طقوسٍ منفصلة، بل هي أدواتٌ فعّالة لإعادة بناء الذات وتشكيلها. الصيام يحرّر الإرادة من عبودية الشهوات، والصلاة تعيد ضبط بوصلة الحياة خمس مرات في اليوم، والقرآن يعيد تشكيل المعاني والمفاهيم. وهكذا، يصبح رمضان مشروعاً متكاملاً يهدف إلى صناعة إنسانٍ أرقى وأسمى.
ختاماً، يؤكد المهندس نضال رشيد بكور أن التهنئة بقدوم رمضان ليست مجرد مجاملة اجتماعية، بل هي إعلانٌ لبداية عهدٍ جديد. فقول "كل عام وأنتم بخير" يعني أن الخير ممكن التحقق، وأن الإنسان قادر على أن يكون أفضل مما كان عليه. رمضان ليس مجرد شهرٍ في التقويم، بل هو لحظةٌ فارقة في الوعي، ومن أدركه بهذه العين الثاقبة لم يخرج منه كما دخل. كل عام وأنتم بخير، ولكن الخير هذه المرة هو خيرٌ يُصنع في الداخل قبل أن يتجلى في الخارج.
18/2/2026 (أخبار سوريا الوطن2-الكاتب)
ثقافة
سوريا محلي
منوعات
سوريا محلي