البطريرك غريغوريوس حداد: قديس الإنسانية الذي أطعم الجياع وكسر حواجز الطوائف


هذا الخبر بعنوان "البطريرك غريغوريوس حداد قديس الخبز لا قديس المذبح" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: علي نفنوف
لم يكن البطريرك غريغوريوس حداد رجل دين بالمعنى التقليدي، بل كان حالة إنسانية فريدة تجاوزت إطار الكنيسة لتسكن في الشارع، في بيوت الفقراء، وفي أجساد الجائعين. وُلد في دمشق عام 1879، وعاش كاهنًا لم يتعامل مع الكهنوت كسلطة روحية، بل كمسؤولية أخلاقية تجاه الإنسان أولاً. لم يرَ في الإيمان طقسًا جامدًا بل فعلاً حيويًا، ولم يعتبر الصلاة بديلاً عن الخبز، ولا الوعظ بديلاً عن الرحمة. كان يؤمن بأن الله يسكن في الجسد المتعب، في اليد الممدودة، وفي الكرامة المهدورة، وليس في الخطاب المجرد. لذلك، لم يجعل الإنسان طريقًا إلى الله، بل جعل الله طريقًا إلى الإنسان.
لُقب بأبي الفقراء لأنه عاش بينهم ولم يكتفِ بالحديث عنهم، ولم ينظر إليهم من موقع الشفقة بل من موقع الانتماء. كان يعتبر الفقير شريكًا في الحياة لا مجرد موضوع للعطف، ورأى أن الجوع ليس قدرًا محتومًا بل فضيحة أخلاقية. أسس العديد من الجمعيات الخيرية، لكن إنجازه الأبرز كان كسر الحاجز بين الدين والإنسان. لم يسأل يومًا عن عقيدة المحتاج، ولم يحصر الرحمة داخل حدود الطائفة، مؤمنًا بأن الإنسان يسبق الهوية وأن الوجع لا يحمل دينًا.
لم تكن قداسته قداسة معجزات، بل قداسة ضرورة تتجلى في الفعل اليومي البسيط: إطعام الجائع، إيواء المشرد، وحماية كرامة الإنسان. يمثل غريغوريوس حداد نموذجًا نادرًا لما يمكن تسميته "القديس الإنساني"؛ ذاك الذي لا يصعد إلى السماء بل ينزل إلى الأرض، لا يتحدث عن الرحمة بل يمارسها، ولا يعظ عن الحب بل يعيشه خبزًا ويدًا وصمتًا. لقد كان شخصية أخلاقية قبل أن تكون دينية، وتجربة فلسفية قبل أن تكون لاهوتية، تثبت أن الروحانية الحقيقية لا تقاس بعدد الصلوات، بل بالقدرة على رؤية الآخر واعتبار ألمه شأنًا شخصيًا. لم يترك غريغوريوس حداد كتبًا، لكنه ترك أثرًا عميقًا في نسيج الحياة، وفي ذاكرة الفقراء، وضمير المدن التي عرفته.
من القصص الشهيرة التي تروى عنه، قصة "رغيف الخبز أهم من الذهب". ففي زمن سفر برلك والمجاعة الكبرى التي فتكت بالأجساد في الشام ولبنان، برز رجل لم يفرق بين مئذنة وصليب، بل رأى في كل جائع إنسانًا يستحق الحياة. أقدم على بيع ذهب الكنائس ليشتري الخبز للجياع، وعندما عاتبه البعض، رفع رغيفًا وسألهم بحدة: "هل كُتب عليه للمسيحيين فقط؟".
فتح أبواب الكنيسة الأرثوذكسية في دمشق، محولاً إياها إلى أكبر مطعم مجاني. لم يكتفِ بالصلاة، بل رهن أوقاف الأديرة وباع الأواني الفضية والذهبية لشراء القمح. كان يؤمن بأن ذل السؤال كافٍ لتحطيم كرامة الفقير، فمنع أي شخص من السؤال عن دين المحتاج قبل إطعامه، قائلاً بغضب: "ألا يكفيه ذل السؤال لتذله بسؤال آخر عن عقيدته؟".
عندما رحل عام 1928، شهدت دمشق جنازة مهيبة لم يسبق لها مثيل، تقدمها علماء المسلمين قبل الكهنة. وأطلقت الحكومة السورية مئة طلقة مدفع تكريمًا له، كما أرسل الملك فيصل الأول مئة فارس من العراق للمشاركة في وداعه. لُقب بأبي الفقراء وبطريرك العرب، ليس لصلواته، بل لأن يده كانت تمتد بالخير قبل أن ينطق لسانه بالوعظ. رحل غريغوريوس، وبقيت حكمته الخالدة: "الرحمة لا تسأل عن الهوية، ويد الخير لا ترى إلا الوجع".
منوعات
سياسة
سوريا محلي
ثقافة