نضال الخضري يحلل: الدراما السورية بين 'رعب الحدث' وتشويه الوعي الجمعي


هذا الخبر بعنوان "صورة أولية لدراما تحاصرنا" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يرى الكاتب نضال الخضري أن الدراما السورية، عندما تكسر حدود التميز بالتركيز على 'رعب الحدث' و'الشخصيات المريبة'، فإنها تعيد صياغة العلاقات الاجتماعية ضمن إطار ثقافي محدد. ففي خضم كثافة الأعمال الدرامية الرمضانية، تظل صورة البقاء في 'حزام الخطر' هي السمة الغالبة التي تحاصر المشاهدين، حيث لا يجدون متعة بل استنفاراً تجاه واقع يصعب تتبعه في الحياة اليومية.
المسألة لا تقتصر على 'قلق' يحيط بالمشاهد مع تطور الأحداث، بل تتجاوز ذلك إلى صعوبة الوصول إلى نقطة خلاص. فعندما يبدأ العمل بجريمة قتل ذات أبعاد سياسية، وتتكثف الأحداث حولها في ثوانٍ معدودة، فإن الأمر يتعدى مجرد إدانة لمرحلة سياسية معينة، ليصبح تطور الحدث جزءاً من 'جلد' المشاهد بقسوة خاصة، مما يجعل الرهان على المتابعة نوعاً من 'تنمية' الحقد بشكل عشوائي.
تتحول الدراما في هذا السياق من مساحة للتفكير والتأمل إلى ساحة اشتباك مباشر مع أعصاب المتلقي. تتراكم الصدمات وتتوالى الخيانات، وتُقدم الشخصيات في حالات قصوى من الانهيار الأخلاقي أو التواطؤ، بحيث يصبح النزاهة استثناءً، ويغدو الشك قاعدة عامة. هذا التعميم الدرامي، وإن كان يخدم التشويق، فإنه يعيد تشكيل وعي جمعي يقوم على الارتياب، ويعزز صورة مجتمع مأزوم إلى حد العطب البنيوي.
ما يثير القلق هو أن هذا النمط يصبغ الأعمال السورية ويمنحها طابعها القاسي. فهل يكفي الإحالة المستمرة إلى العنف بوصفه المحرك الوحيد للسرد، أم أن الدراما، في اندفاعها نحو مناطق الصدمة، تقصي إمكانات أخرى للسرد قد تكون أكثر تركيباً وعمقاً إنسانياً؟ إن تكثيف 'رعب الحدث' لا يتيح للشخصيات فرصة للتنفس خارج إطار الجريمة أو الفضيحة أو المؤامرة، فهي تختزل غالباً في وظيفة درامية محددة بين ضحية وجلاد وشاهد صامت أو متواطئ. ونادراً ما نرى الشخصية في لحظة هشاشتها اليومية، وتناقضاتها الصغيرة، وقدرتها على التردد أو المراجعة؛ فالدراما التي تلاحق الحدث الكبير تهمل التفاصيل التي تصنع إنسانية البشر.
المفارقة تكمن في أن هذه الأعمال، بجرأتها الظاهرية، تعيد إنتاج ثنائيات مبسطة مثل الخير والشر، والسلطة والضحية، والفاسد والنزيه. وتفعل ذلك بلباس معتم يجعل التمييز بين الأطراف ضبابياً، دون أن يمنحنا أدوات تحليل حقيقية. فنحن نغرق في ظلال كثيفة، لكننا لا نحصل بالضرورة على رؤية أوضح.
إن الرهان الحقيقي للدراما لا يكمن في صدمة أولى تجذب الانتباه، بل في قدرة النص على بناء عالم مقنع تتطور فيه الشخصيات وفق منطق داخلي، لا وفق الحاجة إلى حلقة أكثر إثارة. وعندما يصبح كل مشهد ذروة، يفقد تطور الحدث معناه، فتتابع الانهيار دون فسحة أمل أو مراجعة، مما يجعل العمل سلسلة من الانفعالات المتراكمة التي تستهلك المشاهد بدل أن تغنيه.
نحن بحاجة إلى دراما تعترف بقسوة الواقع، لكنها لا تستسلم لها بوصفها قدراً سردياً محتوماً. دراما تطرح الأسئلة بدل أن تكتفي بعرض الجراح، وتفتح أفقاً للتفكير في إمكانات التغيير، ولو على مستوى فردي محدود. فالمجتمع الذي يُصور دائماً في حالة انهيار دائم، يفقد ثقته بنفسه، وتصبح الشاشة تصويراً لليأس لا أداة لتفكيكه.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة