مدفع رمضان يعود إلى ريف دمشق: طقوس الأمان والحنين تبدد أصداء الحرب


هذا الخبر بعنوان "ريف دمشق: مدفع رمضان صوت يستعيد الطقوس ويبدد ذاكرة الحرب" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بعد سنوات طوال ارتبط فيها دوي المدافع بالخوف وأخبار القصف، عاد "مدفع رمضان" هذا العام ليصدح في عدد من مدن ريف دمشق، في مشهد يحمل دلالات رمزية واجتماعية عميقة. يمثل هذا العود استعادة للطقوس الرمضانية القديمة بروح متجددة عنوانها الأمان والحنين إلى الماضي.
في مدينة التل، انطلق مدفع رمضان من منطقة البانوراما وسط حضور شعبي لافت، وبتنظيم محكم من إدارة المنطقة والمجلس البلدي. لاقت هذه الخطوة ترحيبًا واسعًا بين الأهالي. وصف الإعلامي فراس السوادي، وهو من أبناء المدينة، الأجواء بأنها "طقوس رمضانية جميلة"، مؤكداً أن صوت المدفع هذه المرة لم يكن مصدر خوف أو رعب، بل "مدفع محبة وبهجة وسلام". وأشار السوادي إلى أن إطلاق المدفع يتم وفق ترتيبات خاصة جرى التحضير لها بالتنسيق بين الجهات المحلية، في محاولة لإعادة هذا التقليد بما يتناسب مع الواقع الحالي. وأضاف أن قرار إحياء المدفع قوبل بترحيب واسع، حيث عبّر كثير من الأهالي عن سعادتهم بعودة أجواء رمضان القديمة بعيدًا عن الخوف الذي طبع السنوات الماضية.
من جانبه، رأى أبي نجمة، الإعلامي وابن المدينة، أن هذه التجربة أعادت إليه ولأبناء جيله ذكريات الطفولة، حين كانوا ينتظرون صوت المدفع عند موعد الإفطار. في المقابل، عبّر آخرون عن مشاعر متباينة، معتبرين أن صوته لا يزال يوقظ في ذاكرتهم أصوات القصف وأيام الحرب، ما يعكس تباينًا بين الحنين والتحفّظ.
تكرر المشهد في مدينة النبك، حيث عاد إطلاق مدفع رمضان بعد سنوات طويلة من الغياب. تم الإطلاق من منطقة تُعرف باسم "الرابية"، وهي أعلى نقطة في المدينة، وتقع مقابل مسجد عبد الرحمن بن عوف، مما يضمن وصول الصوت إلى مختلف الأحياء بوضوح.
في مداخلة خاصة لـ" سوريا 24 "، أوضح الدكتور خالد الهبشة، وهو من أبناء النبك، أن ما يُعرف محليًا بـ"الطوب" أو مدفع رمضان يُعد من العادات الرمضانية القديمة في المدينة، وكان يُمارس سنويًا بصورة طبيعية. وبيّن أن إطلاقه كان يتم من عدة مواقع، منها طريق الوادي ومناطق مرتفعة مثل السرايا العثمانية القديمة، بهدف الإعلان عن دخول وقت الإفطار في زمن لم تكن فيه مكبرات الصوت أو الوسائل الحديثة لبث الأذان. وأشار الهبشة إلى أن هذه العادة اختفت مع اندلاع الثورة وتوقفت لسنوات، رغم تجذرها في ذاكرة المدينة. وأوضح أن الحاجة إلى إطلاق الطوب في الماضي كانت نابعة من غياب الوسائل الصوتية، ما استدعى اختيار أماكن مرتفعة ووسط المدينة لضمان وصول الصوت إلى أكبر عدد ممكن من السكان.
وبحسب الدكتور الهبشة، فإن إعادة إحياء العادة اليوم تتم بإشراف إدارة منطقة النبك – يبرود، وبالتنسيق مع منسق مدينة النبك، في إطار منظم يراعي الطابع التراثي للطقس. ولفت إلى أن إطلاق المدفع كان يتولاه سابقًا عدد من أبناء المدينة، من بينهم الراحل أبو بشار النفوري، ثم ابنه ماجد النفوري، وبعده أبو فاروق القزق، قبل أن تنتقل المهمة حاليًا إلى يحيى العينية (أبو زكريا). كما ساهم أيمن حلوم في تجهيز موقع الإطلاق بالقرب من المسجد الذي يقوم بكفالته، حيث يتم الإطلاق حاليًا من منطقة الرابية، إلى جانب مسجد عبد الرحمن بن عوف. وأكد الهبشة أن إحياء هذا الطقس لا يهدف فقط إلى الإعلان عن موعد الإفطار، بل إلى استعادة جزء من الذاكرة الرمضانية للمدينة وربط حاضرها بماضيها الاجتماعي والثقافي، بعيدًا عن أي دلالات للعنف أو الخوف.
وتعود عادة إطلاق مدفع رمضان، وفق روايات تاريخية متداولة، إلى القرن الخامس عشر الميلادي في مصر، حين أُطلق المدفع مصادفةً وقت أذان المغرب في عهد أحد سلاطين المماليك، فظن الناس أنه إعلان رسمي عن موعد الإفطار، ولاقت الفكرة استحسانًا واسعًا، لتتحول لاحقًا إلى عادة رمضانية انتقلت إلى بلاد الشام وعدد من المدن العربية. ورغم تراجع هذه العادة في العقود الأخيرة مع تطور وسائل الإعلام، بقي مدفع رمضان حاضرًا في الذاكرة الشعبية بوصفه أحد أبرز رموز الشهر الفضيل.
اليوم، بين التل والنبك، لا تبدو عودة المدفع مجرد إحياء لطقس تراثي، بل محاولة لإعادة تعريف الصوت ذاته؛ من دويّ ارتبط طويلًا بالخوف والدمار، إلى علامة يومية على الفرح ولمّة الإفطار، ورسالة بأن الحياة قادرة، رغم كل ما مرّت به، على استعادة طقوسها وأفراحها الصغيرة.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي