قسد والإدارة المحلية في سوريا: تحديات المساواة ومخاوف التمييز


هذا الخبر بعنوان "“قسد” لا تزال تحت تأثير الفكر الشيوعي" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهدت سوريا، بحسب مرح حوري، خلال العقود الماضية تدهوراً في مستوى الثقة بين قطاع واسع من المواطنين والسلطة الحاكمة. كان العديد من السوريين يرون أن إدارة الدولة لم تُبنَ على أساس المساواة التامة بين الأفراد، بل تأثرت بالولاءات الضيقة والانتماءات الخاصة. ورغم تنوع خلفيات المسؤولين، ظل الاعتقاد راسخاً بأن النفوذ الفعلي كان مقتصراً على دائرة محددة. هذا الشعور، بغض النظر عن مدى الاتفاق عليه، ترك بصمة عميقة في فهم الناس لمفاهيم المواطنة والعدالة.
إن إحساس المواطن بأن الفرص لا تُوزع بعدالة، وأن الوصول إلى مراكز القرار أو الحماية أو الموارد مرهون بالهوية، يقوض جوهر فكرة الدولة الشاملة. ففي أي دولة حديثة، يفترض القانون أن يتعامل مع الأفراد بصفتهم مواطنين، لا بناءً على انتماءاتهم. لذا، فإن أي تجربة سابقة شهدت تمييزاً تصبح مرجعاً يتم استحضاره عند تقييم أي مبادرة جديدة.
في الآونة الأخيرة، برزت إدارات محلية وقوى أمر واقع في مناطق سورية متعددة. من بين هذه الجهات، تبرز "قسد"، التي تقلص نطاق سيطرتها ليتركز في أجزاء من محافظة الحسكة ومدينة القامشلي وبعض التجمعات الكردية. تطرح "قسد" حالياً فكرة إدارة محلية ضمن إطار الدولة، مع منح صلاحيات خاصة لتلك المناطق. هذا الطرح أثار نقاشاً قانونياً وسياسياً جوهرياً: هل يتوافق منح وضع إداري خاص لمنطقة أو مكون محدد مع مبدأ المساواة بين المواطنين؟
من حيث المبدأ، لا تتعارض الإدارة المحلية مع القانون أو مع مفهوم الدولة. فالعديد من الدول تتبنى نظام اللامركزية، الذي يمنح المناطق صلاحيات أوسع لإدارة شؤونها الخدمية والتنظيمية. إلا أن الشرط الأساسي لنجاح هذا النموذج هو أن يكون معيار التطبيق شاملاً ومتاحاً لجميع المناطق وفق ضوابط موحدة. بمعنى آخر، يجب أن يستند الحق في الإدارة المحلية إلى أسس إدارية وسكانية وخدمية، وليس إلى الانتماء القومي أو العرقي.
تنشأ المشكلة عندما يُنظر إلى الحكم المحلي كامتياز خاص لمكون واحد دون سواه، فيتحول حينها من أداة تنظيم إداري إلى قضية تمييز قانوني. فإذا حصلت مجموعة معينة على صلاحيات لا يمكن للمناطق الأخرى المطالبة بها وفق القواعد ذاتها، فإن ذلك يؤدي إلى تفاوت في المركز القانوني للمواطنين، وهو ما يتنافى مع مبدأ المساواة أمام القانون.
من جانب آخر، لا يمكن إنكار أن بعض المكونات في سوريا قد تعرضت لسياسات قاسية في مراحل سابقة، ولديها مطالب مشروعة تتعلق باللغة والثقافة والتمثيل المحلي. إن معالجة هذه القضايا ضرورية قانونياً وأخلاقياً، لكن يجب أن تتم هذه المعالجة عبر توسيع الحقوق لتشمل الجميع، لا من خلال إيجاد وضع خاص دائم لفئة واحدة. الحل القانوني الأمثل يكمن في النص على حقوق ثقافية وإدارية عامة يستفيد منها كل من تنطبق عليه الشروط، بغض النظر عن هويته.
توجد نقطة محورية في النقاش العام تتمثل في الخلط بين الحقوق والامتيازات. فالحق هو ما يمكن تعميمه وتبريره لكل مواطن في وضع مماثل، بينما الامتياز هو ما يُمنح لفئة محددة دون معيار عام. في بناء الدول، تعمل الحقوق على تعزيز الوحدة، في حين تفتح الامتيازات الباب أمام النزاعات. لذلك، تميل الدساتير الحديثة إلى تبني صياغات عامة وشاملة، وتتجنب النصوص التي تمنح أفضلية دائمة لجماعة بعينها.
علاوة على ذلك، لا تقتصر المواطنة على مجموعة من الحقوق فحسب، بل تشمل أيضاً التزامات. فمن يطالب بصلاحيات أوسع لإدارة منطقته، يجب أن يقبل في المقابل برقابة قانونية ومالية واضحة، وبقواعد شفافة في إدارة الموارد، وبضمان عدم التمييز داخل منطقته ذاتها. لا يكفي المطالبة بالصلاحيات، بل يجب أيضاً قبول الضوابط، وهو مبدأ أساسي في القانون.
لقد أثبتت التجارب الميدانية أن تقييم أي إدارة لا يعتمد على الشعارات وحدها، بل على مستوى الخدمات المقدمة. فعندما تتدهور الخدمات وتتزايد الشكاوى من الفساد وسوء الإدارة، تتراجع الثقة الشعبية بغض النظر عن جاذبية الخطاب السياسي. لذا، فإن أي مقترح للإدارة المحلية يجب أن يقترن ببرنامج واضح لتحسين الواقع الخدمي وخطط معلنة للمحاسبة.
يتطلب النقاش السوري الراهن لغة قانونية هادئة وموضوعية. فليس من المفيد وصف أي طرف بصفات قاسية، كما لا يجدي تجاهل مخاوف الناس. المطلوب هو طرح تساؤلات واضحة: هل المقترح قابل للتعميم؟ هل يستند إلى نص قانوني عام؟ وهل يضمن المساواة بين المواطنين؟ إذا كانت الإجابة إيجابية، فيمكن مناقشته وتطويره. أما إذا كانت سلبية، فيجب تعديله. إن المسار الأكثر أماناً لمستقبل سوريا هو بناء نظام يكفل المساواة بين المواطنين في المركز القانوني، مع الاعتراف بالتنوع الثقافي والإداري. فلا يجب أن يكون هناك مواطن من الدرجة الأولى أو الثانية، بل مواطن واحد يتمتع بالحقوق ذاتها وعليه الواجبات نفسها. أي صيغة تقترب من هذا المبدأ تستحق الدراسة، وأي صيغة تبتعد عنه تحتاج إلى مراجعة.
اقتصاد
سياسة
سياسة
سياسة