السويداء على مفترق طرق: انقسام داخلي وترتيبات دمشق الأمنية تلوح في الأفق


هذا الخبر بعنوان "السويداء.. ترتيبات جديدة تلوح في الأفق" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد محافظة السويداء تحولات متسارعة وتضارباً في المواقف بين قياداتها الدينية والاجتماعية والسياسية، مما أفرز سلسلة من التصريحات والمواقف التي تعكس تعقيد المشهد الراهن.
في صدارة هذه التطورات، أعلن أمير دار عرى، حسن الأطرش، مغادرته السويداء متوجهاً إلى دمشق، مبرراً خطوته بأنها تهدف إلى حقن الدماء ومنع فتنة داخلية. يأتي هذا في ظل تصاعد خطاب سياسي مغاير داخل المحافظة.
بينما أكد الأطرش تمسكه بوحدة سوريا ورفضه لأي مسار انفصالي، تتواصل الدعوات التي يقودها الشيخ حكمت الهجري في السويداء، والتي تطرح خيارات سياسية تتجاوز الإطار المركزي، بما في ذلك السعي للحصول على دعم خارجي.
تضع هذه المواقف المتقاطعة المحافظة أمام مفترق طرق سياسي وأمني بالغ الحساسية، وتثير تساؤلات عميقة حول مستقبل المشهد في السويداء، ومدى التباين بين القوى المحلية، وإمكانية صياغة خارطة طريق جديدة في ضوء المستجدات الأخيرة.
جاء خروج حسن الأطرش من السويداء في توقيت بالغ الحساسية، حيث تعيش المحافظة حالة من التوتر السياسي والانقسام في الرؤى حول مستقبلها. تحمل هذه الخطوة أبعاداً تتجاوز بعدها الشخصي، لتلامس التوازنات الداخلية في الجبل، والعلاقة مع الدولة المركزية. لذلك، يطرح هذا الحدث تساؤلات حول دلالاته السياسية، وانعكاساته على المشهد المحلي، وما إذا كان يشكل إعادة تموضع داخل الخريطة السياسية في السويداء.
يرى الكاتب السياسي درويش خليفة أن موقف حسن الأطرش يعكس نزوعاً واضحاً لعدم الاصطفاف خلف قوى فصائلية قد تقود إلى تعميق الانقسام داخل البيت الدرزي السوري. فالمشهد المحلي في السويداء يعيش حالة إعادة تشكّل بعد تراجع مشروع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) شرقي سوريا، وهو تراجع أضعف بيئة المناورة السياسية أمام التيارات ذات السقف المرتفع، وفي مقدمتها التيار المرتبط بالشيخ حكمت الهجري وما يُعرف بـ”الحرس الوطني”، بحسب خليفة.
توقع الباحث في مركز “الحوار للأبحاث والدراسات” بواشنطن، عمار جلو، أن تكون مسألة خروج الأمير حسن الأطرش مرتبطة بنمط سبق أن اتبعته الحكومة السورية في شمال شرقي سوريا، لجهة استقطاب شخصيات عشائرية قبيل الأحداث والاشتباكات التي انطلقت من الشيخ مقصود بالأشرفية، في 6 من كانون الثاني الماضي، والتي تلاها وصول القوات الحكومية إلى مختلف النقاط في تلك المنطقة، سواء بشكل رسمي أو فعلي.
ويرى جلو أن الحكومة السورية تتبع الأسلوب ذاته في السويداء، عبر استقطاب شخصيات قيادية وجهات محلية، تمهيدًا لخلق مدخل لاحق لدخول حكومة دمشق، سواء عسكريًا أو أمنيًا أو رسميًا، إلى المنطقة. ولفت إلى أن من بين هذه الشخصيات حسن الأطرش، الذي يمتلك وزنًا رمزيًا نظرًا لامتداد نسبه إلى سلطان الأطرش، زعيم الثورة السورية الكبرى في مواجهة الاحتلال الفرنسي. وأشار إلى أن هذه الخطوة قد تتبعها تحركات أخرى من شخصيات مختلفة، مع تراجع نفوذ الشيخ الهجري يومًا بعد يوم، معتبرًا أن هذا السياق يشكّل التفسير الأبرز لخروج الأمير حسن، سواء ارتبط الأمر بمسألة “حقن الدماء” أم لا.
الحكومة السورية تتبع أسلوب استقطاب شخصيات قيادية وجهات محلية في السويداء، تمهيدًا لخلق مدخل لاحق لدخولها المدينة.
عمار جلو باحث في مركز “الحوار للأبحاث والدراسات” بواشنطن
في مقابل خطاب الأطرش الذي أكد تمسكه بوحدة سوريا، ورفضه أي مسار خارج الإطار الوطني، يبرز موقف الشيخ حكمت الهجري، الداعي إلى خيارات سياسية مغايرة. هذا التباين يثير تساؤلات حول تأثير موقف الأطرش وتوقيته.
يعتقد الكاتب درويش خليفة أن توقيت الخروج يبدو دالًا بحد ذاته، إذ جاء في لحظة استقطاب حاد، تتضاءل فيها هوامش التموضع الوسطي، خاصة أن الأطرش، بوصفه شخصية ذات رمزية تاريخية مرتبطة باسم جده سلطان باشا الأطرش، يفتقر إلى ظهير عسكري يمكّنه من فرض موقع مستقل في معادلة يغلب عليها منطق السلاح. هذا الواقع يجعله عرضة لضغوط فصائلية تسعى لاستثمار رمزيته الوطنية في معركة تمثيل داخلية.
ومن هذا المنظور، بحسب خليفة، يمكن فهم خروجه كخيار لتفادي الانخراط في خطاب عالي السقف لا ينسجم، على الأرجح، مع اتجاهات دول الإقليم ولا مع المقاربة الأمريكية لملف سوريا. وبذلك، يبدو أنه فضّل الحفاظ على مساحة أخلاقية وسياسية تتيح له الدفاع عن وحدة الجبل والدروز عمومًا، بدل الانخراط في مشروع قد يفضي إلى عزلة سياسية.
وفي الوقت نفسه، فإن خروجه يشكّل ضغطًا معنويًا على الشيخ الهجري والقوى الفصائلية المتحالفة معه، إذ يضع سؤال التمثيل والمسؤولية الوطنية في الواجهة، بحسب قراءة الكاتب السياسي درويش خليفة.
يوافقه الرأي الباحث في مركز “الحوار للأبحاث والدراسات” بواشنطن عمار جلو، الذي قال إن تيار الشيخ الهجري والمجلس العسكري مارسا سابقًا ما يدعم ادعاءات حسن الأطرش بشأن التورّط في الدماء، مشيرًا إلى حادثة اعتقال شخصيات قُتلت في اليوم التالي، واصفًا ذلك بأنه أمر لافت ومؤثر، ويُعد سابقة في المدينة من قبل تيار يتولى أو يهيمن على السلطة المحلية، ما يمنح تلك الادعاءات قدرًا من المصداقية.
وكانت مدينة السويداء شهدت توترات أمنية عقب حملة اعتقالات طالت شخصيات معارضة للشيخ الهجري، في 28 من تشرين الثاني 2025، أدت إلى وفاة ماهر فلحوط ورائد المتني، إثر اعتقالهما. وأكد جلو أن التفاعلات والمناكفات المحلية آخذة في التصاعد بين تيار يسعى إلى احتكار تمثيل الطائفة، وربما تحميلها لاحقًا وزر أخطائه القاتلة، إلا أن مآلاتها النهائية تصبّ في مكاسب شخصية.
قال مدير الأمن في السويداء، سليمان عبد الباقي، إن دخول القوات الحكومية إلى السويداء اقترب، والهدف من العملية هو “إعادة هيبة القانون وحماية المدينة لا كسرها”. وتعهد بأنه لن تحصل تجاوزات، وأكد أن “المحاسبة ستطول كل من ارتكب مخالفات من أي طرف كان، دون حماية أو غطاء لأي فاسد”، لافتًا إلى أن من “دافع عن أرضه وكرامته وبيته لن يُمسّ بسوء”، بينما ستتم محاسبة من استغل اسم الكرامة والدم لمصالح شخصية.
تصريحات عبد الباقي يمكن قراءتها على مستويين، بحسب الكاتب السياسي درويش خليفة: أولهما سياسي: رسالة مفادها أن السلطة في دمشق ماضية في استعادة السيطرة على كامل الجغرافيا السورية، وأن أي ترتيبات محلية لا يمكن أن تكون خارج هذا السقف. ثانيهما ميداني: تنفيذ هذا الطرح يصطدم بحساسية اجتماعية عميقة تجاه دخول قوات كبيرة ومسلحة، لا سيما في ظل ذاكرة المواجهات السابقة والمواقف الصفرية التي تبادلها الطرفان، ومن دون تفاهمات مسبقة وضمانات واضحة، قد يتحول أي دخول إلى عامل تفجير بدل أن يكون مدخلًا للاستقرار.
فيما يتعلق بوجود خارطة طريق بناء على المستجدات الأخيرة، بحسب خليفة، يصعب الحديث عن مسار متكامل المعالم حتى الآن، والأرجح أن المشهد محكوم بإدارة أزمة أكثر منه بتنفيذ خطة شاملة. وقد يُستعاد نموذج “المنطقة الشرقية” جزئيًا من حيث آلية التدرج أو إعادة التموضع، لكن مع فارق جوهري يتمثل في حساسية السويداء الخاصة، واحتمال تداخل البعد الإسرائيلي في حساباتها الأمنية والسياسية، وهو عنصر لا يتوفر بالدرجة نفسها في شرق الفرات.
السويداء تقف عند مفترق بين تصعيد خطابي قد يراكم المخاطر، وتسوية تدريجية تعيد إدماجها في الدولة بشروط جديدة، والفاعلون المحليون يتحركون ضمن هامش ضيق، حيث كل خطوة تحمل تكلفة سياسية تتجاوز حدود الجبل نفسه.
درويش خليفة كاتب سياسي
يعتقد الباحث عمار جلو أن تصريحات عبد الباقي تستند إلى ترتيبات سياسية قد تجريها الحكومة مع فواعل إقليمية ودولية لإعادة بسط سيطرة دمشق على الجنوب السوري، وإنهاء ما وصفه بالتدخل الإسرائيلي المزعزع للاستقرار، انطلاقًا من الجنوب، وذلك بعد إنهاء ملف الشمال الشرقي الذي شكّل، بحسب قوله، ركيزة أساسية ومثالًا للمطالبين بالفيدرالية في سوريا، سواء في الجنوب أو الساحل.
وتوقّع أن تكون مسألة إعادة بسط السيطرة مسألة وقت، مع احتمال تفاعل الأهالي تجاه سياسة التضييق الهادفة إلى إضعاف تيار الهجري، وإظهاره بمظهر العاجز عن تأمين الخدمات أو التفاعل مع المجتمع المحلي أو التوصل إلى تفاهمات مع حكومة دمشق أو مع الدول الراعية لما يُسمى بحقوق الدروز في سوريا. وأشار إلى أن طبيعة أي دخول محتمل، أمنيًا كان أم عسكريًا، ستحدّدها التطورات الميدانية، لكنه رجّح أن يكون أكثر انضباطًا من تجربة دخول القوات الحكومية إلى مناطق شمال شرقي سوريا، خاصة بعد الانتهاكات التي شهدها تموز 2025، بسبب دخول عناصر غير منضبطة ضمن فصائل لم تلتزم بالقرار الحكومي، وهو ما أجّج الوضع حينها.
وختم جلو بأن أي دخول حالي سيكون شديد الانضباط، بهدف إظهار أن قوات دمشق معنية بحماية جميع المواطنين، بمعزل عن التنوع الديني أو المذهبي أو العرقي، مؤكّدًا أن الهدف الأساس هو إنهاء المشاريع الانفصالية في سوريا.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة