حلب: انهيار مبانٍ يكشف عن أزمة السلامة الإنشائية المتفاقمة بعد الحرب والزلزال


هذا الخبر بعنوان "حلب.. انهيار المباني بالكلاسة والحميدية يعيد ملف السلامة إلى الواجهة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يكن انهيار مبنيين سكنيين في حلب، الأول بحي الكلاسة في 13 من شباط الحالي، والآخر بحي الحميدية في 17 من الشهر ذاته، مجرد حوادث فردية، بل كانا بمثابة تذكير مؤلم بواقع تعيشه المدينة منذ سنوات طويلة. ورغم أن الحادثين لم يسفرا إلا عن أضرار مادية، إلا أن صداهما تجاوز الأحياء المتضررة، ليعيد ملف سلامة الأبنية التي لا تزال تحمل ندوب الحرب وتصدعات الزلزال إلى واجهة النقاش العام.
فخلال سنوات الحرب، تعرضت أحياء واسعة في حلب لقصف مباشر، بينما أصيبت أخرى بأضرار غير مباشرة نتيجة الزلزال أو الإهمال في الصيانة. لم تنهار العديد من هذه الأبنية حينها، لكنها خرجت من الصراع بأعمدة منهكة وأسقف فقدت جزءًا من تماسكها.
يؤكد المهندس المدني حسام الدين حردان أن المشكلة الأخطر لا تكمن في الأبنية المدمرة كليًا، بل في تلك التي صمدت رغم تضررها، لأن خطرها يبقى خفيًا عن عيون السكان. وأوضح حردان، في حديثه إلى عنب بلدي، أن بعض الأضرار قد لا تظهر إلا بعد سنوات، خاصة مع غياب الصيانة وتأثر الأساسات بالرطوبة وتسرب المياه.
شهدت حلب ارتفاعًا كبيرًا في الإيجارات خلال السنوات الأخيرة، نتيجة خروج جزء كبير من المساكن عن الخدمة، في مقابل دخل محدود ومستقر عند مستويات منخفضة. هذا التباين خلق فجوة دفعت بالسكان نحو حلول إسعافية، كان أحدها ترميم المنازل المتضررة بوسائل بسيطة، غالبًا بجهود شخصية أو عبر ورشات محلية. هذه الترميمات تركز على جعل المنزل صالحًا للسكن دون الالتفات إلى معايير الأمان، فبالنسبة لكثيرين، لم يعد اختيار المنزل يعتمد على سلامته بل على مجرد توفره.
في هذا السياق، يلفت المهندس المدني حسام الدين حردان إلى أن معظم أعمال الترميم الحالية تندرج تحت إطار "المعالجة السطحية". فإغلاق الشقوق أو إعادة طلاء الجدران قد يوحي بانتهاء المشكلة، بينما يظل الخلل الحقيقي في الأعمدة أو الأساسات دون معالجة جذرية.
ويشير المهندس إلى أن الترميم الإنشائي الصحيح يعد عملية مكلفة ومعقدة، وقد تستلزم أحيانًا تدعيم الهيكل أو إخلاء المبنى مؤقتًا، وهو ما لا تستطيع أغلبية العائلات تحمله، سواء بسبب التكلفة المباشرة أو لعدم امتلاك بديل للسكن. هذا الواقع خلق معادلة صعبة، حيث يجد السكان أنفسهم أمام خيارين كلاهما قاسٍ: إما الانتقال إلى منزل بإيجار يفوق قدرتهم، وإما البقاء في منزل يعرفون أنه لم يعد سليمًا بالكامل، ومع الوقت، يتحول الخطر من احتمال طارئ إلى جزء من الحياة اليومية.
من جانبه، أفاد مدير خدمات السليمانية، يحيى حاج غازي، أن مجلس مدينة حلب شكّل لجنة سلامة عامة مركزية، تفرعت عنها لجان فرعية في مختلف قطاعات المجلس، تتولى إجراء كشوف مستمرة على الأبنية المتضررة، وإعداد التقارير والتوصيات اللازمة بشأنها.
وأوضح حاج غازي، في حديثه إلى عنب بلدي، أن قطاع السليمانية يضم ست مناطق تحتوي على أبنية آيلة للسقوط أو متضررة، وهي بستان الباشا والسيد علي والحميدية والجابرية والميدان والهزازة. وتتمثل أبرز الأسباب التي تؤدي إلى تدهور هذه الأبنية في استمرار وصول المياه إلى أساساتها، نتيجة ارتفاع منسوب المياه السطحية في بعض المناطق كالجابرية والحميدية، بالإضافة إلى تسرب مياه الصرف الصحي ومياه الشرب بسبب أعطال أو انسدادات، فضلًا عن مرور حمولات ثقيلة بالقرب من المباني أو إضافة حمولات غير مدروسة إليها.
وفيما يتعلق بخطط الترميم، أشار حاج غازي إلى أن المجلس أعد جداول بالأبنية المتضررة، وأصدر قرارات إخلاء وإغلاق للأبنية غير الآمنة. أما الأبنية القابلة للترميم، فيتم التعامل معها استنادًا إلى تقارير لجان السلامة العامة وتقرير فني صادر عن نقابة المهندسين. وبيّن أن تحديد جدول زمني لتنفيذ أعمال الترميم أو الإصلاح يخضع للقوانين والأنظمة النافذة، التي تشترط حضور جميع المالكين أو من ينوب عنهم، معتبرًا أن هذا الشرط يعد من أبرز أسباب التأخير في تنفيذ الترميم.
كما لفت إلى أنه بعد انتهاء عقد إزالة الأبنية المتضررة مع الشركة العامة للموارد المائية، طرح مجلس المدينة مناقصة للتعاقد مع شركة متخصصة لتنفيذ أعمال الإزالة. وأكد حاج غازي أن المجلس ينسق مع نقابة المهندسين لضمان إعداد الدراسات الإنشائية وفق الكود السوري لمقاومة الزلازل، مع التشدد في إعداد تقارير ميكانيك التربة لضمان قدرتها على التحمل. وأشار إلى أن الأبنية الخطرة أُخليت بموجب ضبوط أصولية، في حين توجد بعض الأبنية المهددة نتيجة عوامل فجائية، مثل تسرب المياه الشديد أو الهبوطات السريعة، موضحًا أن التعامل مع هذه الحالات يتطلب أجهزة ومعدات حديثة غير متوفرة حاليًا، ولا يمكن التكهن بحدوثها مسبقًا.
أظهرت تقديرات أممية حجم الضرر الواسع الذي لحق بالبنية السكنية في مدينة حلب خلال سنوات الحرب. ففي عام 2019، نشر معهد الأمم المتحدة للبحث والتدريب (UNITAR) أطلسًا لتقييم الأضرار في المدن السورية، بيّن أن محافظة حلب سجلت أعلى نسبة دمار في البلاد. وبحسب الأطلس، بلغ عدد المباني المدمرة كليًا 4773 مبنى، إضافة إلى 14680 مبنى مدمرًا بشكل بالغ، و16269 مبنى متضررًا بشكل جزئي، ليصل مجموع المباني المتضررة إلى 35722 مبنى.
وأشار التقرير إلى أن عدد سكان حلب كان يتجاوز 2.5 مليون نسمة قبل عام 2011، وانخفض إلى نحو 1.6 مليون نسمة، بينهم نحو 200 ألف يقيمون في القسم الشرقي من المدينة، الذي تحمّل النسبة الكبرى من الدمار.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي