الجغرافيا كسلاح: صراع الهوية والذاكرة في شمال سوريا عبر تغيير أسماء المدن


هذا الخبر بعنوان "تغيير أسماء المدن في شمال سوريا.. الجغرافيا كسلاح سياسي" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في عالمنا المعاصر، تتجاوز الأسماء الجغرافية كونها مجرد إشارات مكانية محايدة لتصبح حاملة لدلالات عميقة ترتبط بالذاكرة والهوية والشرعية السياسية. وفي سياقات النزاع والانقسام، تتحول التسمية من وصف بسيط إلى أداة فاعلة في الصراع على المعنى والانتماء. في سوريا، وخاصة في مناطق شمالها وشمال شرقها، لم تعد التسمية الجغرافية مسألة لغوية أو ثقافية فحسب، بل أصبحت جزءًا لا يتجزأ من صراع أوسع على الهوية والذاكرة.
تُقدم تجربة المناطق الخاضعة لسيطرة “الإدارة الذاتية” و”قوات سوريا الديمقراطية (قسد)” نموذجًا واضحًا لتحول الأسماء إلى أداة سياسية تُستخدم لإنتاج سردية جديدة حول المكان وتاريخه. لا تكمن الإشكالية في الوجود الاجتماعي بحد ذاته، بل في الانتقال من واقع ديمغرافي حديث نسبيًا إلى سردية سيادية تاريخية تُوظف لإعادة تعريف الجغرافيا سياسيًا، وتقديمها كامتداد لهوية قومية متجانسة.
تاريخيًا، شكلت مناطق شمال سوريا، من ريف حلب وصولًا إلى الجزيرة الفراتية، جزءًا من المجال الجغرافي والسياسي لبلاد الشام قبل بدايات الدولة الحديثة. لم تعرف هذه المناطق عبر العصور كيانًا سياسيًا مستقلًا أو جغرافيا ذات هوية قومية مغلقة، بل خضعت لوحدات إدارية متعاقبة تحت حكم الدول الإسلامية ثم الدولة العثمانية، وكانت مرتبطة بمراكز الحكم في دمشق وحلب. تميزت هذه الجغرافيا بتنوعها السكاني، حيث عاش العرب إلى جانب السريان والآشوريين وغيرهم ضمن نسيج اجتماعي متداخل لا يقوم على مفهوم “الأرض القومية” أو الحدود الإثنية الصلبة. ولا تشير المصادر التاريخية المعروفة إلى وجود كيان سياسي مستقل ذي طابع قومي كردي في شمال سوريا بالمعنى الجغرافي والسياسي الحديث، بل كانت المنطقة جزءًا من فضاء اجتماعي أوسع سبق تشكل المفاهيم القومية المعاصرة.
مع أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، شهدت مناطق شمال سوريا تحولات ديمغرافية متدرجة، ارتبطت بصراعات الأناضول وسياسات إعادة التوطين في أواخر العهد العثماني، ثم بتداعيات الانتداب الفرنسي والتغيرات الإقليمية اللاحقة. في هذا السياق، استقر أكراد في مناطق مختلفة من شمال سوريا، وأصبحوا مع مرور الزمن جزءًا من النسيج الاجتماعي المحلي. غير أن الإشكالية لا تكمن في هذا الوجود الاجتماعي، بل في الانتقال من واقع ديمغرافي حديث نسبيًا إلى سردية سيادية تاريخية تُستخدم لإعادة تعريف الجغرافيا سياسيًا، وتقديمها بوصفها امتدادًا لهوية قومية متجانسة، بمعزل عن تعقيدها التاريخي والاجتماعي. تسعى السرديات القومية إلى تثبيت فكرة امتداد تاريخي متصل قائم على مفهوم “الأرض القومية”، في حين تظهر السجلات الإدارية والديمغرافية أن كثيرًا من المدن التي تُدرج ضمن هذه السرديات هي في الأصل مدن حديثة النشأة.
مع توسع نفوذ قوات سوريا الديمقراطية منذ عام 2015، لم يعد الصراع محصورًا في السيطرة العسكرية أو الإدارية، بل امتد إلى مستوى الخطاب والذاكرة الجماعية. ففي النزاعات المعاصرة، تُدار المعارك أيضًا عبر اللغة والخرائط والتسميات. في هذا السياق، لا تُقدم الجغرافيا في مناطق النفوذ بوصفها فضاءً متعدد المكونات، بل يُعاد تأطيرها كسجل لهوية قومية واحدة، تُرسخ عبر اللافتات الرسمية والمناهج التعليمية والخرائط والخطاب الإعلامي. وهنا تتحول التسمية إلى أداة لإنتاج معنى سياسي جديد يُسقط مفاهيم قومية معاصرة على جغرافيا لم تُبنَ تاريخيًا على هذا الأساس.
يُعد تغيير أسماء المدن والبلدات أداة سياسية معروفة لترسيخ “الملكية الرمزية” للأرض. وفي شمال سوريا، تتجلى هذه السياسة في حالات عدة، منها: عين العرب، التي يُستخدم لها اسم “كوباني” حصرًا في الخطاب السياسي والإعلامي، مع تغييب شبه كامل لاسمها العربي المثبت في السجلات العثمانية والسورية. تل أبيض، التي يُشار إليها باسم “كري سبي” في المراسلات الرسمية والخرائط. رأس العين، التي يجري تداول اسم “سري كانيه” بوصفه التسمية الأساسية. القامشلي، أو كما يسميها الأكراد قامشلو، والتي تُصور أحيانًا كمدينة ذات “هوية كردية تاريخية”، رغم أنها مدينة حديثة التأسيس تعود إلى عشرينيات القرن العشرين، وشكلت منذ نشأتها مركزًا إداريًا متعدد المكونات. عفرين، التي تُقدم بوصفها “مدينة كردية تاريخية”، رغم أن تحولها إلى مركز عمراني حديث تم في القرن العشرين، وكانت قبل ذلك منطقة ريفية تتبع إداريًا لولاية حلب وفق التقسيمات العثمانية المتأخرة. هنا يبرز موقف تاريخي موثق لا يتوافق مع صياغات سردية تقول بوجود واقع حضري أو كيان سياسي مستقل قائم منذ زمن بعيد. في الاستخدام الراهن، لا يُعامل المصطلح بوصفه توصيفًا جغرافيًا محايدًا، بل كجزء من سردية سياسية تهدف إلى إعادة تعريف المنطقة رمزيًا وتثبيت تصور قومي معين لها، وإنتاج شرعية جديدة عبر اللغة والخطاب أكثر من استنادها إلى مسار تاريخي موثق.
تسعى السرديات القومية إلى تثبيت فكرة امتداد تاريخي متصل قائم على مفهوم “الأرض القومية”، في حين تظهر السجلات الإدارية والديمغرافية أن كثيرًا من المدن التي تُدرج ضمن هذه السرديات هي في الأصل مدن حديثة النشأة. وليس غريبًا أن هذا الطرح يتناقض مع نماذج مدن أقدم في المنطقة، مثل منبج، التي تمتلك تاريخًا حضريًا عميقًا يمتد لآلاف السنين، وتاريخها لا يمكن اختزاله في سردية قومية واحدة بمعزل عن نسيجها التاريخي المتنوع.
إلى جانب تاريخ المدن، تظهر المصادر التاريخية أن الجزيرة الفراتية كانت منذ ما قبل الإسلام موطنًا لقبائل عربية كبرى، أبرزها تغلب وبكر بن وائل من ربيعة العدنانية، التي استقرت على ضفاف الفرات وفي شمالي سوريا وشمالي العراق، وكان لها حضور سياسي واجتماعي واضح عبر قرون طويلة. ويكشف هذا الامتداد القبلي المبكر أن المنطقة لم تكن فراغًا سكانيًا أو فضاءً قوميًا مغلقًا، بل جزءًا من مجال عربي سوري أوسع سبق تشكل المدن الحديثة والسرديات القومية المعاصرة.
يتجاوز توظيف التسمية الجغرافية نطاق المدن والبلدات ليشمل إطارًا أوسع، كما في استخدام مصطلح “روجافا” الذي يُتداول بشكل واسع في الخطاب السياسي والإعلامي للأكراد. فهذا المصطلح لا يظهر في السجلات التاريخية أو الخرائط الرسمية المرتبطة بتاريخ المنطقة قبل الصراع، بل هو توصيف حديث مشتق من اللغة الكردية يُستخدم للإشارة إلى “الغرب” ضمن مفهوم “غرب كردستان”. في الاستخدام الراهن، لا يُعامل المصطلح بوصفه توصيفًا جغرافيًا محايدًا، بل كجزء من سردية سياسية تهدف إلى إعادة تعريف المنطقة رمزيًا وتثبيت تصور قومي معين لها، وإنتاج شرعية جديدة عبر اللغة والخطاب أكثر من استنادها إلى مسار تاريخي موثق. لا ينفصل توظيف التسميات عن قراءة انتقائية للتاريخ المحلي تُبرز حضور مكون واحد وتُهمش مكونات أخرى شكلت النسيج التاريخي للمنطقة، سواء العرب أو المسيحيين وغيرهم.
يمتد هذا التوظيف أحيانًا إلى استخدام تسميات مثل “كردستان سوريا” أو “إقليم كردستان سوريا”، وهي توصيفات لا تظهر في السجلات الرسمية أو الخرائط المعتمدة للدولة السورية الحديثة، ولم تُعتمد يومًا ضمن أطرها الدستورية أو الإدارية. ويجري تداولها في الخطاب السياسي والإعلامي بوصفها امتدادًا طبيعيًا لحق تاريخي مفترض، رغم انتمائها إلى أدبيات قومية معاصرة تشكلت في سياق إقليمي مختلف. في هذا السياق، تتحول التسمية إلى أداة رمزية لإنتاج واقع سياسي متخيل يُسوق له تدريجيًا عبر اللغة والخطاب، بما ينقل النقاش من مستوى الحقوق الثقافية والإدارية إلى مستوى إعادة تعريف الجغرافيا والكيان السياسي، من دون مسار تاريخي موثق أو توافق وطني جامع.
لا ينفصل توظيف التسميات عن قراءة انتقائية للتاريخ المحلي تُبرز حضور مكون واحد وتُهمش مكونات أخرى شكلت النسيج التاريخي للمنطقة، سواء العرب أو المسيحيين وغيرهم. ومع التكرار الإعلامي والمؤسسي، تتحول الأسماء إلى أدوات لإعادة تعريف “من هو صاحب الأرض” ومن يملك حق التمثيل السياسي والاجتماعي، وتستبعد أو تضعف صور الآخر. الأسماء، حين تُفصل عن سياقها التاريخي وتُحمل دلالات سياسية معاصرة، تُصبح أدوات لإعادة تشكيل الهوية والشرعية.
لا يمكن فهم هذا المشهد بمعزل عن الشبكات السياسية والإقليمية التي استفادت من تفكيك الدولة السورية، إذ لعبت قوات سوريا الديمقراطية دورًا مركزيًا ضمن نظام تحالفات معقد ساهم في تشييد بنى سياسية قائمة على تفسير جغرافي وثقافي للهوية والحدود. وفي هذا الإطار، لا تُنتج الجغرافيا مجرد انعكاس للتاريخ، بل يُعاد صياغتها وفق مشروع سياسي معين لا يعكس الواقع الاجتماعي متعدد المكونات، بل يستثمره لخدمة مصالح تتجاوز مصالح السكان أنفسهم.
لا تكمن الإشكالية في الاعتراف بالوجود الكردي في سوريا، أو باللغة والثقافة الكردية كجزء من المشهد الاجتماعي، بل في تحويل هذا الاعتراف إلى سردية إقصائية تُقدم بوصفها حقيقة تاريخية مكتملة. فعندما تُفرض التسمية باعتبارها “الشرعية” أو “الأصلية”، تتحول الجغرافيا إلى ساحة صراع على المعنى والذاكرة. تُظهر تجربة شمال سوريا أن الصراع لم يعد يدور على الأرض وحدها، بل على معنى المكان نفسه. فالأسماء، حين تُفصل عن سياقها التاريخي وتُحمل دلالات سياسية معاصرة، تُصبح أدوات لإعادة تشكيل الهوية والشرعية. إن خطورة هذا المسار لا تكمن فقط في تهديد وحدة الدولة السورية، بل في تعميق الانقسامات المجتمعية حول الهوية والانتماء، على حساب أي أفق لبناء عقد وطني جامع يقوم على الاعتراف بالتعدد دون مصادرة التاريخ.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة