الفيلم الوثائقي "العودة الأولى": رحلة بصرية عميقة في الذاكرة والهوية الشركسية ومعاناة التهجير


هذا الخبر بعنوان "فيلم “العودة الأولى” يقدّم قراءة بصرية في الذاكرة الشركسية والتهجير والهوية" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في إطار فعالية نظمتها وزارة الثقافة بهدف إحياء الذاكرة الشركسية، شهدت دمشق اليوم الأحد عرض الفيلم الوثائقي القصير "العودة الأولى". وقد أعقب العرض نقاش معمق تناول محاور الفيلم الرئيسية وما يقدمه من قراءة بصرية وإنسانية معمقة للمكون الشركسي في سوريا والعالم.
يمتد الفيلم على مدار ثلاثين دقيقة، ويتميز ببصمة سورية شركسية واضحة، حيث أخرجه الصحفي أمجد الساري، فيما تولت الصحفية سارة عابدي مهام الإعداد والبحث. صُورت المشاهد الأولية للفيلم في تركيا خلال فترة التهجير القسري، ثم استُكملت فكرته بعد سقوط النظام البائد، ليقدم سرداً بصرياً مؤثراً يوثق رحلة الألم والصمود.
يحتوي الفيلم على شهادات حية مؤثرة، من أبرزها شهادة نازح شركسي من الجولان، يستعرض فيها بدايات الثورة السورية عام 2011 وهجرته القسرية مع عائلته إلى تركيا خشية بطش النظام البائد. يتحدث النازح عن التحديات التي واجهها في تأسيس حياة جديدة، وعن الدور المحوري الذي لعبته الجالية الشركسية في دعمه. كما يعرض الفيلم مشاهد لعودته إلى أسواق دمشق بعد التحرير، متتبعاً مظاهر الفرحة بين السوريين.
ويروي مؤمن حاج بيرام أيضاً تسلسل الهجرات الثلاث التي مرت بها عائلته: بدءاً من فلسطين، ثم من الجولان، وصولاً إلى هجرته الشخصية من سوريا تحت وطأة قمع النظام البائد.
يستعرض الفيلم جوانب غنية من العادات والتقاليد الشركسية، بما في ذلك المأكولات التقليدية كالفطائر المحشوة بالجبن الشركسي، بالإضافة إلى الطقوس الاجتماعية المرتبطة بالأفراح والمناسبات. كما يسلط الضوء على عادات قديمة اندثرت، مثل تقليد "خطف الفارس للفتاة على الحصان" في مراسم الزواج القديمة.
يتوقف الفيلم أيضاً عند رمزية المرأة في الثقافة الشركسية، حيث تُعد رمزاً للسلام، وبإمكان وجودها إيقاف النزاعات احتراماً لمكانتها. كما يبرز الفيلم تمثال المرأة الشركسية في أول نقطة وصل إليها الشركس في تركيا عام 1864، والذي يزوره الناس سنوياً لإحياء ذكرى التهجير القسري.
من بين المشاركين في الفيلم، أعربت سيلين قاسم عن سعادتها بتحقيق حلم العودة إلى سوريا والتجول في دمشق القديمة التي لم تعرفها إلا عبر الإنترنت، مؤكدة أن سوريا احتضنت الشركس منذ وصولهم، وأنهم اليوم يشاركون بفاعلية في عملية إعادة الإعمار.
شهدت الجلسة الحوارية، التي أدارتها دانة سقباني، نقاشاً معمقاً حول التاريخ المعقد للشركس ومعاناتهم الممتدة عبر الزمن، مع تركيز خاص على تجربة الشركس السوريين خلال الثورة السورية وما تبعها من تهجير وتشتت.
تحدث فريق الإعداد عن الدوافع وراء صناعة الفيلم، وكيف بدأ كمشروع تخرج جامعي بإمكانيات محدودة قبل أن يتطور ليصبح وثيقة ثقافية تحمل ذاكرة جماعية. وأوضح المخرج أن العمل بدأ عام 2023 في إحدى الجامعات التركية، مواجهاً تحديات تمثلت في قلة الموارد وصعوبة الوصول إلى الأرشيف. وقد تم لاحقاً تطوير النسخة الأولية بإضافة لقطات مولدة بالذكاء الاصطناعي لتعويض النقص البصري وإعادة تشكيل الذاكرة الشركسية بصرياً.
تناول النقاش أهمية الهوية الشركسية وصمودها في وجه موجات التهجير المتكررة، بدءاً من تهجير القوقاز في القرن التاسع عشر وصولاً إلى النزوح الذي فرضته ممارسات النظام البائد. وأشار المشاركون إلى أن الثورة السورية أتاحت فرصة جديدة للتعارف بين مكونات المجتمع السوري، حيث وجد السوريون أنفسهم في الغربة يكتشفون بعضهم البعض من جديد ويتعرفون على ثقافات لم تكن حاضرة بشكل كافٍ في الوعي العام.
كما تم طرح مشروع "ذاكرة الشركس"، وهي مبادرة تهدف إلى توثيق قصص الشهداء الشركس في الثورة السورية وحفظ سيرهم من النسيان، وذلك كفعل من أفعال المقاومة الثقافية التي تمنح الشركس حضوراً مستحقاً في السردية الوطنية السورية.
وفي ختام النقاش، أكد المشاركون أن الفيلم لا يقتصر هدفه على سرد معاناة الشركس فحسب، بل يمتد ليشمل تعزيز التفاهم بين مختلف المكونات السورية وإبراز الثراء الثقافي والفكري للمجتمع السوري، معتبرين أن التنوع يشكل مصدر قوة، وأن معرفته شرط أساسي لبناء مستقبل مشترك يتسم بالعدل والوعي.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة