الحرب والسياسات الاقتصادية: خريطة الفقر المتفاقم في سوريا والمنطقة المحيطة


هذا الخبر بعنوان "كيف رسمت الحرب والسياسات الاقتصادية خريطة الفقر في الداخل والمحيط" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أصبح الفقر في سورية واقعاً يومياً يواجهه ملايين المواطنين، متفاوتاً في حدته من دمشق وحلب، حيث يسعى السكان للحفاظ على مستوى معيشي مقبول نسبياً، إلى إدلب ودرعا والبوادي المحيطة بها، حيث تصل معاناة الأسر إلى أقصى حدودها. تشهد المدن الكبرى تبايناً حاداً بين طبقاتها الاجتماعية، إذ لم تعد الوظائف في القطاع العام كافية لتغطية تكاليف المعيشة الأساسية، وتعتمد العائلات الأكثر هشاشة على التحويلات والدعم الجزئي للبقاء على قيد الحياة. تتحمل القرى والمناطق الريفية العبء الأكبر، نظراً لمحدودية الوصول إلى الأسواق والخدمات الأساسية، مما يجعل الأزمة الإنسانية أعمق من مجرد أرقام. ووفقاً لتقديرات الأمم المتحدة، يعيش نحو 90% من السوريين تحت خط الفقر، منهم حوالي 66% في فقر مدقع، أي دون القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية من غذاء ومسكن وخدمات صحية.
يختلف الواقع السوري من مدينة إلى أخرى؛ فدمشق، رغم كونها المركز الإداري والاقتصادي، تواجه تفاوتاً اجتماعياً كبيراً وارتفاعاً في تكاليف المعيشة مقارنة بالدخل. أما في حلب، المدينة الأكثر اكتظاظاً، فتعاني بعض الأحياء من نقص الخدمات وفرص العمل، خاصة بعد تدمير البنية التحتية والصناعات المحلية خلال السنوات السابقة. وفي الجنوب، تواجه درعا وريفها صعوبات إضافية بسبب نقص التنمية والخدمات الأساسية، بينما تواجه البوادي والمناطق الريفية تحديات أمنية واقتصادية مضاعفة تعمق الفقر فيها.
عند مقارنة الوضع السوري بالدول المجاورة، يتضح حجم التحدي بشكل أكبر. في لبنان، يعيش نحو 44% من السكان تحت خط الفقر، مع تفاوت شديد بين المناطق الحضرية والريفية، حيث قد يصل معدل الفقر في مناطق مثل عكار شمالاً إلى أكثر من 60%، بينما تسجل العاصمة بيروت نسباً أقل نسبياً. لقد جعل الانهيار المالي والمصرفي، وانخفاض قيمة العملة المحلية، وفشل السياسات الاقتصادية في حماية المواطنين من الغلاء المتصاعد، الحياة اليومية صعبة للغاية، وأصبح الاعتماد على التحويلات والمساعدات الطارئة قاعدة لا استثناء.
في العراق، ورغم الثروات النفطية الكبيرة، لا تزال مشكلة الفقر قائمة، حيث يعيش نحو 17.5% من السكان في فقر نقدي، خاصة في وسط وجنوب البلاد، بينما تستفيد العاصمة بغداد والمناطق النفطية نسبياً أكثر. ترتبط الأسباب هنا بسوء إدارة الموارد العامة، والفساد، والاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية دون تنويع الاقتصاد، مما يجعل السكان في المناطق الريفية والأقل نفوذاً أكثر تضرراً، ويخلق فجوة كبيرة بين المدن والمناطق المحرومة.
أما باكستان، فهي مثال صارخ على كيفية تفاقم الأزمة الاقتصادية حتى في بلد يمتلك إمكانيات إنتاجية كبيرة. فقد ارتفع معدل الفقر فيها إلى 29%، وهو الأعلى منذ أكثر من عقد، مع تأثير أكبر على المناطق الريفية، إذ ارتفع معدل الفقر في القرى من 28% إلى أكثر من 36%، بينما في المدن ارتفع من 11% إلى نحو 17%. تجاوز معدل الفقر في المقاطعات الأفقر مثل بلوشستان 47%، فيما ارتفعت البطالة إلى 7%، وانخفضت القوة الشرائية بشكل كبير بسبب التضخم المستمر، رغم الادعاءات الرسمية باستقرار الاقتصاد الكلي. أدت السياسات الاقتصادية غير المتوازنة، مثل خفض الدعم ورفع الضرائب دون تعزيز الإنتاج المحلي وخلق فرص عمل، إلى زيادة التفاوت الاجتماعي وتفاقم أزمة الفقر، وهي دروس مباشرة يمكن لسورية الاستفادة منها لتجنب تكرار نفس الأخطاء.
تؤكد الدروس المستفادة من دول أخرى، سواء في المنطقة أو خارجها، أن الفقر غالباً ما يرتبط بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية أكثر من الموارد المتاحة. ففي البرازيل، يعيش نحو ربع السكان تحت خط الفقر، خاصة في المناطق الريفية والأحياء الفقيرة في المدن الكبرى، رغم امتلاكها لاقتصاد كبير ومتنوع. وفي جنوب إفريقيا، يواجه أكثر من نصف السكان تحديات الفقر والبطالة، رغم كونها أكبر اقتصاد في القارة الأفريقية، مما يبرز أن الفقر قضية متعلقة بكفاءة السياسات الاقتصادية والاجتماعية أكثر من الإمكانيات المالية فقط.
تتعدد أسباب الفقر في البلدان المختلفة، لكنها غالباً ما تتقاطع في ثلاثة محاور رئيسية: ضعف البنية الاقتصادية والإدارية، غياب برامج التنمية المستدامة، والتفاوت في توزيع الموارد. في لبنان، الفقر هو نتيجة الانهيار المالي والمصرفي والسياسات غير الفعالة في حماية المواطنين من التضخم وارتفاع الأسعار. وفي العراق، يرتبط الفقر بالفساد وسوء إدارة الموارد، وعدم تنويع الاقتصاد. أما في باكستان، فقد نتجت الأزمة عن سياسات اقتصادية غير متوازنة، من خفض الدعم ورفع الضرائب دون تعزيز الإنتاج المحلي، مما أدى إلى زيادة التفاوت الاجتماعي وتفاقم الفقر الريفي.
تجمع سورية، بطبيعة الحال، بين كل هذه العوامل، مع أبعاد إضافية بسبب النزاع المستمر، والتهجير الكبير، وتوقف الإنتاج في العديد من القطاعات، وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، مما جعل الحياة اليومية تحدياً مستمراً للمواطنين. ومع ذلك، هناك فرصة للتحرك إذا تم تبني سياسات اقتصادية شاملة وطويلة المدى، تشمل تعزيز الإنتاج المحلي والصناعات الزراعية والحرفية، وتحسين الوصول إلى التعليم والخدمات الصحية، وخلق فرص عمل مستدامة، وتحقيق الاستقرار الأمني والوصول إلى الأسواق في جميع المحافظات.
الفقر ليس مجرد رقم في تقرير رسمي، بل هو حياة يومية تتأثر بكل قرار سياسي أو اقتصادي، ومن هنا تأتي مسؤولية الحكومة والمجتمع الدولي لضمان سياسات اقتصادية عادلة ومستدامة، وإعادة بناء مجتمع قادر على الصمود ومواجهة الأزمات المستقبلية. الفقر في سورية، كما في كل الدول الأخرى التي تمت مقارنتها، قضية مرتبطة بالسياسات أكثر من الموارد فقط. التركيز على السياسات الاقتصادية والاجتماعية الفعالة، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتنويع مصادر الدخل، وخلق فرص عمل مستدامة، هو الطريق الوحيد لتخفيف معاناة المواطنين.
الفقر ليس مجرد رقم في تقرير رسمي، بل حياة يومية يواجه فيها السوريون صعوبات مستمرة في تأمين الطعام والتعليم والصحة. تتطلب إعادة بناء مجتمع قادر على الصمود إرادة سياسية حقيقية، وتخطيطاً استراتيجياً بعيد المدى، واستثماراً مستداماً في الإنسان والاقتصاد والبنية التحتية. لن تحقق التحويلات النقدية والدعم الجزئي وحده فرقاً دائماً. ما يحتاجه السوريون هو اقتصاد متوازن، وسياسات اجتماعية عادلة، واستثمار طويل المدى في الإنتاج والعمل والتعليم. فقط بهذا يمكن أن يخرج السوري من دائرة الفقر، وتصبح المدن والقرى على حد سواء أماكن يعيش فيها الناس بكرامة، بعيداً عن صراع البقاء اليومي.
سياسة
اقتصاد
اقتصاد
سياسة