فرنسا في مهب الصراع الطبقي: الجمهورية الخامسة تحتضر ومستقبلها على المحك


هذا الخبر بعنوان "فرنسا:احتضار الجمهورية الخامسة وحتمية الصدام الطبقي!" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تعيش فرنسا اليوم مرحلة حرجة تتكشف فيها تناقضاتها البنيوية، متجاوزةً السجالات البرلمانية السطحية لتلامس جوهر الجمهورية الخامسة، التي صاغها ديغول عام 1958 كآلية لإدارة شؤون البرجوازية. إن ما يُوصف بـ "الأزمة السياسية" ليس سوى انعكاس لاهتزاز الأسس الاقتصادية التي منحت النظام استقراره. فالتسوية الطبقية التاريخية، التي قامت على استغلال الفائض من المستعمرات لتمويل دولة الرفاه في المركز، تتفكك اليوم.
مع تفاقم أزمة تراكم رأس المال، لم تعد البرجوازية قادرة على تقديم "الرشاوى الاجتماعية"، مما أدى إلى انهيار العقد الاجتماعي وتحول دور الدولة من منظم إلى "شرطي". في خضم هذا الانسداد، يبرز جان لوك ميلونشون كظاهرة تعكس غضب الفئات المهمشة، لكنه يظل في جوهره ممثلاً للاشتراكية الديمقراطية التي تسعى لإصلاح ما يبدو غير قابل للإصلاح.
ومع ذلك، فإن الاستهداف الشرس الذي يتعرض له ميلونشون من قبل الأوليغارشية المالية واليمين المتطرف يكتسب بعداً طبقياً وجودياً. فالتهديد بتهمة الخيانة ووصمه بـ "اليسار الإسلامي" ليس سوى نسخة معاصرة من التحريض الذي أدى إلى اغتيال جان جورس عام 1914. لقد اغتالت القومية الشوفينية جورس لمنع البروليتاريا من إدراك مصالحها الأممية ضد الحرب الإمبريالية، واليوم تُمارس الشيطنة ضد ميلونشون لمنع تشكل كتلة تاريخية تجمع بين بروليتاريا الضواحي المهمشة والطبقة العاملة التقليدية في الأطراف.
تدرك البرجوازية أن وحدة هذه القوى تعني نهاية هيمنتها، لذا تسعى إلى تحويل الصراع من صراع طبقي (عمال ضد رأس مال) إلى صراع هوياتي (مواطن ضد مهاجر). وقد أدى الفراغ التنظيمي الذي تركه انحسار الحزب الشيوعي الفرنسي إلى تشرذم الوعي الطبقي، مما مكن اليمين المتطرف من استغلال آلام المسحوقين وتغليفها بخطاب قومي زائف.
لقد تحولت الدولة، بفعل قوانين التقاعد الجائرة وقمع حركة السترات الصفراء، إلى جهاز قمعي محض (Repressive State Apparatus)، متخلية عن "قفازها الحريري" وكاشفة عن أنيابها النيوليبرالية. إن فرنسا الأطراف، التي تعاني من سحب الاستثمارات وتدهور الخدمات العامة، ليست مجرد ضحية للجغرافيا، بل هي ضحية لـ "قانون التراكم الرأسمالي" الذي يركز الثروة في المراكز المالية (باريس، ليون) ويحول الأطراف إلى خزانات لليد العاملة الرخيصة أو مقابر للصناعة.
تتضح الصورة أكثر عند فحص ملفات الفساد البنيوي، فالفساد هنا ليس انحرافاً أخلاقياً، بل هو الأسلوب الطبيعي لعمل رأس المال المالي في مرحلة تعفنه. إن انعدام الثقة في المؤسسات ليس عدمية سياسية، بل هو وعي غريزي لدى الجماهير بأن هذه المؤسسات لم تعد تمثلها. لذا، فإن الدعوة لـ "جمهورية سادسة" يجب ألا تظل مجرد تغيير في الدستور، بل يجب أن تكون قطيعة راديكالية مع "ديكتاتورية الأسواق"، أي انتقال السلطة من يد المصارف إلى يد المنتجين.
إن استقراء هذا المشهد يفضي إلى حتمية تاريخية؛ فرنسا تعيش مخاضاً لن ينتهي بتغيير حكومي، بل بصدام بين خيارين: إما "البربرية"، المتمثلة في الانغلاق القومي المتطرف الذي يحول الغضب الطبقي إلى حرب أهلية هوياتية تخدم بقاء النظام الرأسمالي، أو "الثورة"، المتمثلة في استعادة إرث جورس الثوري ودمجه مع راديكالية الميدان، لتأسيس سلطة تسترد السيادة الوطنية من مخالب الاتحاد الأوروبي (كأداة لرأس المال العابر للحدود) وتعيد توجيه فائض القيمة لصالح المجتمع. إنها لحظة الحقيقة، فإما أن تنجح القوى الثورية في تحويل السيولة السياسية إلى منظمة طليعية قادرة على الحسم، وإما أن ينجح اليمين المتطرف في إتمام المهمة التي بدأها قاتل جورس، وهي دفن الأمل في عدالة اجتماعية تحت ركام الأوهام القومية المتطرفة. (أخبار سوريا الوطن-منتدى الفكر السياسي)
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة