السكبة في سوريا: إرث رمضاني عريق يجسد التكافل الاجتماعي ويحفظ كرامة المحتاجين


هذا الخبر بعنوان "السكبة… تقليد رمضاني يجسّد روح التكافل في المجتمع السوري" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
دمشق-سانا: على مر القرون، ومع حلول شهر رمضان المبارك، حافظت الأسر السورية على عادة "السكبة"، التي تُعد من أبرز المظاهر الاجتماعية المعبرة عن روح التضامن والتكافل بين أفراد المجتمع. تتمثل هذه العادة في تبادل أطباق الطعام بين الجيران والأقارب قبيل أذان المغرب، في مشهد يعكس عمق الروابط الاجتماعية المتوارثة.
لا تشترط "السكبة" أن يكون الطعام فاخراً أو متنوعاً، بل يكفي أن يكون من الطبق الرئيسي المُعدّ في المنزل. هذه الممارسة البسيطة تعبر عن قيم المشاركة والمودة، وتكرس معاني المحبة والتآخي بين أفراد المجتمع.
عن تاريخ عادة السكبة السورية، روى الباحث الراحل منير كيال في كتابه "دمشقيات مرابع الطفولة ومهوى الأفئدة"، قصة أحد فقراء الشام الذي كان يتلقى أطباق الطعام من جيرانه يومياً. وفي إحدى المرات، زاره شخص من الريف وقت الغداء، وشعر الزائر بالإحراج. لكن عندما دُعي إلى مائدة الطعام وشاهد أكثر من عشرة أطباق مختلفة، فوجئ كثيراً. وقبل البدء بالطعام، طُرِقَ الباب، ولاحظ الزائر أن صاحب المنزل أتى بطبق طعام جديد من الطارق، ففهم ما حدث. ومنذ ذلك الحين، أصبح يروي ما شاهده لمن يلتقيهم، حتى شاعت القصة بين عموم العائلات السورية، وأصبحت من العادات والتقاليد الراسخة بين جميع السوريين دون استثناء.
وذكر كيال في كتابه أن السكبة لا تفرق بين غنيٍّ وفقير، إذ كان الفقير يسكبُ للغني، وكان الغنيُّ يفعل الشيء ذاته. وكانت سكبة كل طبق بقدر حجمه، مما يحدث نوعاً من التوازن في الحارة. وبذلك، كانت السكبة جزءاً من طريقة الأخذ والعطاء السائدة، ولعلها، برأي كيال، امتداد مُحرَّف لطريقة المُبادلة والمقايضة القديمة، لكنها في جميع الأحوال كانت تكريساً للتداخل بين الأسر، والتعاطف القائم بين الناس وتبادل المحبة.
أوضح الباحث في التراث الشعبي مازن ستوت، خلال حديثه لـ سانا، أن السكبة تُعد من العادات الضاربة في عمق التراث الشعبي السوري. نشأت هذه العادة من فكرة بسيطة تقوم على تنويع الموائد بين الجيران، بحيث يشارك كل بيت بجزء من طعامه، ما يضمن تنوع الأطباق ويؤكد حضور قيم التكافل الاجتماعي، خاصة تجاه الأسر المتعففة.
وقال ستوت: "كانت السكبة جزءاً من منظومة اجتماعية متكاملة في الحارة، حيث يعرف الجار أحوال جاره، فتصل الأطباق إلى البيوت المحتاجة بصورة تحفظ الكرامة، دون إعلان أو إحراج".
اعتبر ستوت أن عادة السكبة حملت أبعاداً اجتماعية وإنسانية عميقة، إذ أسهمت في تعزيز العلاقات بين الأسر، وتخفيف الأعباء المعيشية، وإحياء قيمة "الجار للجار" التي عُرفت بها البيئة الشامية. ولفت إلى أنه في كثير من الأحيان، كانت بعض العائلات ترسل سكبة كاملة إلى بيوت المحتاجين، أو تكثر من حصص الطعام عمداً لتوزيعها، في صورة تعكس عمق الترابط الاجتماعي في المجتمع السوري. ولم تقتصر هذه العادة على دين واحد، بل في كثير من المرات كانت عائلات مسيحية ترسل لجيرانها من الأسر المسلمة سكبة رمضان وبالعكس.
كما لعب الأطفال دوراً لافتاً في هذه العادة، إذ كانوا يتولون مهمة إيصال الأطباق قبيل الإفطار، في مشهد يومي يسبق أذان المغرب بدقائق، فتزدحم الأزقة بحركة الصغار وهم يحملون الصحون المغطاة، ما يضفي على الحارات أجواءً من الألفة والفرح وفق ستوت.
وتبقى السكبة أكثر من مجرد طبق يُتبادل قبيل الإفطار، فهي طقس رمضاني يجسّد روح التراحم والتكافل، وصورة حيّة من صور الهوية الثقافية السورية التي توارثتها الأجيال، وحافظت عليها كجزء أصيل من ملامح الشهر الفضيل.
ثقافة
صحة
ثقافة
ثقافة