تصدعات عميقة تهز نواة "الترامبية" الصلبة: "أميركا أولاً" في مواجهة دعم إسرائيل


هذا الخبر بعنوان "الشرخ يزداد في النواة الصلبة للترامبية: “أميركا أولاً” لا إسرائيل" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تعيش الولايات المتحدة ضجة داخلية غير مسبوقة، على الرغم من كونها بلدًا معروفًا بالصخب على الصعيدين الداخلي والعالمي. لكن هذه الطاقة المتفلتة، التي بدأت منذ عودة الرئيس دونالد ترامب إلى منصبه وافتتاحه جبهات متعددة، من الموظفين الفيديراليين إلى الحملة الواسعة على المهاجرين، مرورًا بـ"تنظيف" المدن والحروب التجارية حول العالم، وصولاً إلى فنزويلا وإيران، قد دفعت بالضجيج الداخلي إلى أقصاه بسرعة قياسية. حتى بات الأميركيون يعتقدون أن المنتصر داخليًا هو من يثير الجلبة الأكبر. خير دليل على ذلك، التهاب حناجر الجمهوريين وبحّها تباعًا قبل وخلال وبعد أطول خطاب في تاريخ الولايات المتحدة الثلاثاء الفائت.
في خضم هذه الأحداث، تظل إسرائيل وحرب 7 أكتوبر 2023 نقطة محورية في الانقسام الداخلي الأميركي بشكل عام، والحزبي الديموقراطي بشكل خاص. وقد كشفت دراسة للانتخابات الرئاسية أن سببًا رئيسيًا في خسارة المرشحة كامالا هاريس كان سياسة الرئيس السابق جو بايدن في إدارة ملف الحرب والدعم غير المشروط لإسرائيل، مما أدى إلى نفور قواعد وفئات عمرية من الاقتراع للحزب.
في المقابل، كان ترامب واضحًا في دعمه المطلق لصديقه بنيامين نتنياهو، وصولاً إلى تدخله المباشر في الحرب الأخيرة على إيران. ومع أن حزبه الجمهوري لا يزال يدعمه، فإن مظلة ترامب الشعبية تظلل جمهورًا أوسع بكثير من الحزب الجمهوري، يضم درجات متعددة من ألوان اليمين، من "ماغا" إلى الإنجيليين والمحافظين وغيرهم. هذا الجمهور المتنوع والمعقد، الذي يفوق خصومه في أطياف اليسار تعقيدًا، بدأت تصله الشروخ نفسها التي أصابت الديموقراطيين. يحدث هذا بينما تواصل آلة الحرب الإسرائيلية تدمير غزة وحياة أكثر من مليوني فلسطيني، وأميركا ترامب لا تنظر بعين الرضا فقط، بل تبذل أرقامًا خيالية من أموال دافعي الضرائب ثمنًا للسلاح. وفوق ذلك، يرى رئيس "أميركا أولاً"، الداعي إلى السلام والعودة إلى الداخل، ينشر الآلاف من أبنائهم حول إيران، البلد البعيد عنهم، والذي يذكرهم لفظ اسمه بآخر تجربتين دمويتين لهما: أفغانستان والعراق. هذه الحرب، التي يرقص معها ترامب رقص الفراشة مع القنديل، لا غاية منطقية من مستنقعها الآثم – بحسبهم – إلا الحليف الشرق أوسطي الأزرق، مدلل إدارة ترامب الأغلى على قلبها. "ماغا"، أو النواة الصلبة للمحافظين الأميركيين، تهتز الأرض أسفلها في ما يخص موضوع إسرائيل بالتحديد.
الإنجيليون، مريدو ترامب الأوائل الذين يشكلون أكثر من 40%، لم ينقلبوا على إسرائيل بالطبع، فهي بالنسبة إليهم أرض الميعاد التي سيظهر فيها "المخلص" من جديد. لكن الانطباع الأميركي العام وصل إلى الفئات الشابة فيهم بأن حرب نتنياهو كانت بالغة الدموية، وأنه يصر على توريط أميركا في حروب جديدة ليست بحاجتها، طمعًا بالمال والسلاح.
يعد تاكر كارلسون واحدًا من أهم مفاتيح هذا الجمهور والمؤثرين الكبار فيه. هذا الوجه الإعلامي الذي لم يحجب الضوء عنه قط، ليس شخصًا بل هو أقرب إلى علامة تجارية، مؤسسة كاملة قائمة على شخص. وإذا كانت جرأته وصراحته الفظة في التعبير عن رأيه سمته البارزة، وأحد أهم أسباب شهرته، فإن مهارته الأساسية تكمن في قدرته على قراءة الشارع وركوب الموجة أولاً. هكذا، تحول إلى أول صقر يرفعه ترامب على ساعده في انتخابات 2016، ليسوق نظريات التلاعب بالانتخابات عام 2020، وليعود فيكون ركنًا أساسيًا في حملة ترامب في 2024، مع تأثيره المباشر في قرارات ترامب فيما يخص تسمية نائب الرئيس وأسماء أخرى في الإدارة.
كارلسون الآن هو الصوت الأعلى والأكثر تأثيرًا في انتقاد إسرائيل التي "لا تحصل أميركا على شيء منها". ومن منطلق "أميركا أولاً" بطبيعة الحال، دعا بلاده إلى ترك الدولة العبرية "تحارب حروبها بنفسها". الحوار المشهود الذي تحول إلى اشتباك مع السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هوكابي، وما تعرض له كارلسون وفريقه في المطار لدى مغادرته إسرائيل، نقطتان يضيفهما إلى سجله في استهداف هذه العلاقة السامة بين البلدين، والتي تلقى قبولًا لدى جمهوره الشخصي وتدفع ترامب إلى حثه على تخفيف لهجته ضد إسرائيل. لكنه لا يبدو أنه مستعد للإصغاء إلى صديقه، بدليل استضافته متشددًا أبيض متهمًا بمعاداة السامية، مثل نيك فوينتيس. وهو مصرّ على أن أميركا تهدر المليارات على إسرائيل بينما الحدود مشرعة للمهاجرين غير الشرعيين، وأشار إلى تأثير لوبي آيباك في الكونغرس.
كارلسون ليس وحده في هذه الجبهة الجديدة داخل اليمين الأميركي. كتفًا بكتف يقف معه حليفه وصديقه ستيف بانون، منظر "ماغا" وملهمها الذي لا يقل تأثيرًا عن كارلسون، ويشاركه بقوة في الإيمان بـ"أميركا أولاً" معزولة بإرادتها عن العالم الخارجي، إلا فيما يتعلق بمصالحها المباشرة وليس تلك التي يفرضها آيباك.
صوت ثالث مؤثر لكنه أكثر جرأة، هو كاندس أوينز. الشابة الأفريقية – الأميركية (37 عامًا)، التي يتابعها عشرات الملايين، ومعروفة أيضًا بحدّة لسانها وذهابها إلى النهاية في مواقفها. هكذا انقلبت من أبرز داعمي ترامب إلى الندم والإحباط التام منه والتخلي عن الانتماء لـ"ماغا" والتزام "أميركا أولاً" والانتقاد الشديد لتأثير إسرائيل في الداخل الأميركي حد اتهامها بمعاداة السامية والتسويق لنظريات المؤامرة ووصفها بالمرتدة.
زميلتها الأشهر في الإحباط بالطبع هي مارغوري تايلور غرين. النائبة الماغاوية الصرفة، التي استقالت في كانون الثاني/يناير الفائت، يقودها إيمانها الديني الإنجيلي أكثر مما تقودها السياسة. كانت من أشد المتحمسين لإسرائيل بعد 7 أكتوبر، لتنقلب وتتحول إلى أول جمهورية تصف الحرب بالإبادة الجماعية، وتنضم إلى منتقدي "آيباك" وتوريط أميركا في حروب خارجية، وفي الدعم المادي والعسكري لإسرائيل. الناشطة التي كسر ترامب، ملهمها الأول، قلبها حين وصفها بـ"الخائنة" قررت ألا تخوض الانتخابات بمواجهته. إسرائيل لم تكن وحدها السبب في الفراق؛ فثمة ملفات جيفري إبستين، وعدم شفافية إدارة ترامب في التعامل مع هذه المسألة بالغة الحساسية عند سيدة متدينة ومؤمنة بالقيم الأميركية مثل غرين، جعلها تعلن الفراق التام عن ترامب.
هذه الانشقاقات الآخذة بالتوسع في جسم "ماغا" ستترجم بالأرقام في الانتخابات النصفية المقبلة في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل. لكن الحرب التي تلوح بوادرها من هذه الانشقاقات تتخطى الجدال حول إسرائيل وملفات إبستين. هي على الأرجح حرب حول إرث "الترامبية" وجمهورها بعد مغادرة ترامب البيت الأبيض، والتي سيولد من رحمها أكثر من ولد ليشق طريقه الخاصة به، بعد العيش طويلًا في جلباب الأب القائد.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة