مسلسل "أنا وهي وهيا": دراما سورية تعيد تاج حيدر للواجهة وتغوص في صراع المرأة بين الاستقلال والهشاشة الاجتماعية


هذا الخبر بعنوان "المرأة في الواجهة: “أنا وهي وهيا” دراما ترصد الاستقلال والهشاشة الاجتماعية" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يشق مسلسل "أنا وهي وهيا" طريقه بثبات ضمن خارطة الدراما الاجتماعية، مقدماً معالجة هادئة وعميقة لقضايا معاصرة، تتصدرها ثنائية عمل المرأة واستقلاليتها في مواجهة الهشاشة العاطفية والاجتماعية. العمل، الذي أبدع نصه إياد أبو الشامات وأخرجته نور أرناؤوط، يراهن على إيقاع سردي متوازن وواقعي، بعيداً عن الافتعال، ليضع شخصياته في اختبار يومي قاسٍ بين الطموح الشخصي والغيرة وسوء الظن.
عودة نسائية لافتة وتصدر جيل جديد
الحدث الأبرز في المسلسل يتمثل في العودة القوية والمترقبة للفنانة تاج حيدر إلى البطولة بعد غياب، في حضور وُصف بأنه "حديث الموسم". عودتها لم تكن مجرد مشاركة عابرة، بل بدت كاستعادة لمكانتها المرموقة في الدراما السورية، بوجه طبيعي وأداء متزن يعكس نضجاً فنياً واضحاً. الكاميرا بدت منحازة لها، أو بالأحرى منسجمة معها، في مشاهد تبرز قدرتها على تجسيد المرأة القوية من دون صخب، والمجروحة من دون انكسار.
في المقابل، يمنح العمل مساحة متقدمة لوجوه شابة تتصدر البطولة، وفي مقدمتها رهام قصار التي تقدم شخصية مستفزة بواقعية لافتة. حضورها يحمل مزيجاً من الكاريزما والجرأة، ما يضعها في خانة الممثلات القادرات على حمل أدوار الصف الأول. أداؤها لا يكتفي بإظهار الصراع الخارجي، بل يغوص في التوترات الداخلية لامرأة تبحث عن ذاتها وسط شبكة معقدة من العلاقات. إلى جانبها، يظهر لجين إسماعيل في دور يحمل أبعاداً نفسية مرتبطة بماضٍ مثقل بالجراح. الشخصية تبدو في طور الانكشاف التدريجي، إلا أن الأداء أثار تبايناً في الآراء، إذ رأى بعض المتابعين أن المساحة الدرامية المتاحة له تحتاج إلى معالجة أكثر عمقاً تتناسب مع طبيعة العمل المعاصر، بعيداً عن الأداء المسرحي التقليدي.
عمل المرأة: محور الصراع
يضع المسلسل قضية عمل المرأة في قلب الأحداث، ليس بوصفها شعاراً، بل كواقع يومي يفرض نفسه على العلاقات الزوجية والعائلية. كيف يتعامل الرجل مع نجاح زوجته؟ هل يتحول التفوق المهني إلى مصدر تهديد؟ وهل يمكن للغيرة أو الشك أن تنسف سنوات من التفاهم؟ هذه الأسئلة تتسلل بهدوء عبر الحوارات والمواقف، لتكشف هشاشة الروابط الاجتماعية حين تختبر بالمنافسة أو سوء الفهم. العمل لا ينحاز إلى طرف بقدر ما يعرض تعقيدات العلاقة بين الطموح الشخصي والاستقرار الأسري، في مقاربة أقرب إلى الواقعية النفسية منها إلى الميلودراما التقليدية.
عودة باسل خياط: واستحضار ذاكرة درامية
يشهد المسلسل عودة الفنان باسل خياط إلى الدراما السورية، في خطوة اعتبرها متابعون استعادة لمرحلة فنية ارتبطت بأعمال سابقة، بينها مسلسل الغفران الذي شكل محطة بارزة في مسيرته. حضوره في "أنا وهي وهيا" يعيد إلى الأذهان شخصية الرجل الهادئ الصادق في مشاعره، مع تطور في النضج والأداء يتناسب مع التحولات التي طرأت على الدراما السورية خلال السنوات الأخيرة.
إخراج بصري مختلف
تقدم المخرجة نور أرناؤوط معالجة بصرية توصف بأنها غير مألوفة في السياق المحلي، من حيث زوايا التصوير والعناية بالكادرات، ما يمنح العمل طابعاً دافئاً رغم توتر الأحداث. أجواء المنازل، ولا سيما المنزل الذي تؤديه نادين خوري، تعكس اهتماماً بالتفاصيل الداخلية التي تترجم الحالة النفسية للشخصيات. الإخراج هنا لا يكتفي بنقل النص، بل يشتغل على خلق بيئة بصرية مريحة، حتى في لحظات الصدام، وهو ما يعزز الطابع الهادئ الذي يميز النص.
حضور داعم مؤثر
يشارك في العمل عدد من الأسماء التي تضيف ثقلاً درامياً، من بينها تيسير إدريس الذي يجسد شخصية تنتمي إلى طبقة اجتماعية ميسورة، في انعكاس لبيئة قد لا تمثل الشريحة الأوسع من المجتمع، لكنها تخدم السياق الدرامي المطروح. كما يبرز كفاح الخوص بأداء حيوي يحمل قدراً من الخفة المحببة، إلى جانب ترف التقي التي تضيف لمسة إنسانية على خط الأحداث. أما المشاركة اللبنانية الوحيدة ختام اللحام، فتقدم الشخصية باللهجة السورية، في خيار أثار تساؤلات حول مكان الأحداث، خصوصاً مع الإشارة إلى بيروت كإطار مكاني لبعض الوقائع.
بين البيئة والهوية
من الملاحظات المطروحة حول العمل طبيعة البيئة المصورة، التي تعكس طبقة اجتماعية ثرية قد لا تكون ممثلة على نطاق واسع في سوريا. هذا الخيار الفني مفهوم ضمن سياق الشخصيات، إلا أن بعض الآراء ترى أن العمل كان يمكن أن يكتسب دفئاً إضافياً لو تموضع في بيئة سورية تقليدية أقرب إلى الواقع اليومي. كذلك طرحت تساؤلات حول هوية العمل، في ظل لهجة سورية خالصة لمعظم الشخصيات، مقابل أحداث تدور جزئياً في بيروت، ما يخلق التباساً مكانياً لم يحسم بشكل واضح حتى الآن.
شارة عصرية وموسيقا بديلة
تحظى شارة العمل بإشادة خاصة، سواء على مستوى الكلمات أو الألحان، مع اختيار أغنية من نمط الموسيقا البديلة للفنان بلال ديركي، في توجه ينسجم مع الطابع العصري للمسلسل. التصميم البصري للشارة جاء معاصراً، ما يعكس اهتماماً بالتفاصيل من اللحظة الأولى.
دراما هادئة تراهن على العمق
في المحصلة، يقدم "أنا وهي وهيا" نموذجاً لدراما اجتماعية هادئة، تبتعد عن التصعيد المفتعل، وتراهن على بناء شخصيات متدرجة في تطورها. تركيزه على المرأة ككيان مستقل، لا كظل للرجل، يمنحه خصوصية في موسم درامي مزدحم. العمل يفتح نقاشاً حول قدرة المجتمع على تقبل نجاح المرأة، وحول هشاشة العلاقات حين تتسلل إليها الشكوك الصغيرة. وبين عودة أسماء مخضرمة وصعود وجوه شابة، يبدو المسلسل محاولة لإعادة تعريف الدراما الاجتماعية من منظور أكثر حداثة، تضع المرأة في قلب الحكاية، لا على هامشها.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة