تراجع الدراما بين "مولانا" و"السحلية": دعوة لاستعادة دور الفن في الارتقاء والبناء


هذا الخبر بعنوان "بين “مولانا” و”السحلية” ضاعت الهيبة..والتقية!!كيف وصلنا إلى هذا المستوى المتشابه من الهبوط وما المطلوب لتستعيد الدراما دورها في الارتقاء والبناء؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: علي نفنوف، الأمارات – دبي
في مقارنة بين مسلسل مولانا والعمل الإيراني المعروف بـالسحلية، لا تتوقف المسألة عند حدود التقاطعات السردية فحسب، بل تمتد لتطرح سؤال القيمة حين يدخل الرمز الديني سوق الدراما ويفقد شيئًا من وقاره. لا تكمن المشكلة في الفكرة المجردة أو في حق أي عمل في الاشتباك مع موضوع شائك، بل في مستوى المعالجة والهبوط الذي أصاب البناء الدرامي من حيث الكتابة وتطور الشخصيات وتماسك الصراع.
لقد بدت لحظات كثيرة في العمل أقرب إلى استعراض انفعالي منها إلى اشتغال فكري عميق. كان بالإمكان أن يفتح العمل نقاشًا جادًا حول صورة الإيمان في مجتمع مأزوم وحول العلاقة المعقدة بين السلطة الرمزية والجمهور، غير أن ضعف النص وتبسيط الصراعات أضعفا هذا الاحتمال. تحولت الشخصيات في أحيان عدة إلى أدوات خطاب مباشر، وغاب التدرج النفسي الذي يمنحها صدقيتها. وهنا، لا تكفي النجومية وحدها لإنقاذ عمل يعاني خللاً بنيويًا في الرؤية والكتابة.
لم يقتصر الخلل على البناء الدرامي، بل امتد إلى اللغة ذاتها بوصفها الوعاء الأول للمعنى. فقد بدا واضحًا ميل العمل إلى الاستسهال في العبارات والألفاظ، والاستخفاف بالحمولة الثقافية التي يفترض أن يحملها خطاب موجه إلى مجتمع يمتلك ذاكرة أدبية وفكرية عميقة. انحدرت اللغة نحو مفردات سطحية و"ترندات" عابرة تقوم على اللعب اللفظي والخزعبلات السهلة التي تصنع ضجة آنية لكنها لا تترك أثرًا فكريًا حقيقيًا. فاللغة حين تفقد جديتها تفقد قدرتها على تشكيل المعنى، وحين تتحول الجملة إلى أداة جذب سريع بدل أن تكون حاملاً لفكرة عميقة، يتراجع التأثير الثقافي للعمل ويغدو أقرب إلى محتوى استهلاكي يراهن على الانتشار لا على البقاء.
الأخطر في هذا المسار أنه لا يهبط بمستوى النص وحده، بل يهبط بصورة المتلقي ذاته، وكأن الجمهور لم يعد جديرًا بخطاب رصين، بل بكلمات عابرة تساير السطحية بدل أن ترتقي بها. وهنا تبرز وظيفة الدراما بوصفها قوة ناعمة قادرة على إعادة تشكيل الذائقة الجمعية والإسهام في تهذيبها ومراكمة وعيها الجمالي والفكري. وحين تتخلى عن هذا الدور وتكتفي بتكريس الهبوط القائم أو باستحضار انحدار كان في طور الغياب ثم إعادة إحيائه تحت ذرائع مختلفة، فإنها تتحول من أداة بناء ثقافي إلى وسيلة تثبيت للتراجع.
وسط هذا التراجع، برز حضور الفنانة نور علي بوصفه نقطة الضوء الأبرز في العمل. فقد استطاعت أن تمنح شخصيتها بعدًا إنسانيًا واضحًا وأن تبني أداءً متوازنًا بعيدًا عن المبالغة، فبدت أكثر تماسكًا من السياق الذي وضعت فيه. نجاحها لم يكن تفصيلاً عابرًا، بل مؤشرًا إلى طاقة فنية تستحق نصوصًا أكثر قوة وعمقًا، لأن موهبة بهذا المستوى لا ينبغي أن تبقى محصورة داخل بنى درامية متراجعة، بل تحتاج إلى أعمال توازيها نضجًا وتمنحها فضاءً أوسع للتجلي.
أخيرًا، ورغم التقاطعات الكبيرة بين السحلية ومولانا، ورغم ما قيل عن اقتباس أو توارد أفكار أو تشابه ثقافات، بل وحتى مع وجود تطابق حاد وفج في بعض البنى والمواقف، فإن هذا ليس جوهر الموضوع. فالمسألة لا تتعلق بملكية الفكرة بقدر ما تتعلق بمنظومة هبوط متشابهة تحكم المعالجة في العملين. فعندما تتكرر السطحية ويتشابه الاستسهال وتغيب الرؤية النقدية العميقة، يصبح التطابق دليلاً على أزمة أوسع من نص واحد؛ إنها أزمة ذائقة وصناعة ومعيار فني. بين مولانا والسحلية لا تضيع الهيبة وحدها، بل تتكشف ملامح منظومة تفرغ الرمز من معناه وتعيد إنتاجه في صورة قابلة للاستهلاك السريع. والسؤال الذي يبقى مطروحًا ليس من سبق من ولا من اقتبس من من، بل كيف وصلنا إلى هذا المستوى المتشابه من الهبوط، وما الذي نحتاج إليه كي تستعيد الدراما دورها في الارتقاء لا في التكرار، وفي البناء لا في الاستنزاف.
"السحلية": كوميديا إيرانية تلامس فلسفة الهداية
يُعد الفيلم الإيراني "السحلية" (مارمولك – 2004) أحد أبرز الأعمال السينمائية التي مزجت بين الكوميديا السوداء والنقد الاجتماعي. تدور أحداثه حول "رضا"، وهو لص محترف يُلقب بـ "السحلية" لمهارته الفائقة في التسلق، يجد نفسه مضطرًا للهروب من السجن عبر التنكر في زي رجل دين. تأخذ الحكاية منحىً غير متوقع حين يصل "رضا" إلى قرية حدودية، حيث يظن الأهالي أنه إمامهم الجديد. ومن رحم هذه المفارقة، يبدأ اللص "المتنكر" بممارسة دور الواعظ، معتمدًا على لغة بسيطة وعفوية بعيدة عن التكلف، مما يجذب قلوب أهل القرية ويؤدي إلى إصلاح أحوالهم بطرق غير تقليدية. ينجح الفيلم في طرح تساؤلات عميقة حول الفجوة بين المظهر والجوهر، متبنيًا مقولة أن "طرق الوصول إلى الخالق تتعدد بتعدد أنفس البشر". ورغم الجدل الذي أثاره العمل عند صدوره، فإنه يبقى علامة فارقة.
أخيرًا، يجب أن نتذكر جميعًا، سواء كنا إعلاميين أو مثقفين أو فنانين أو متابعين، أن الفن هو حامل متقدم للوعي وليس طريق عودة نحو الهبوط. (موقع: اخبار سوريا الوطن2)
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة