صراع العلم والجهل: لماذا تقاوم بعض الشعوب التغيير وتحارب دعاته؟


هذا الخبر بعنوان "شعوب تحتفي بالجهل والتخلف" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يُعدّ عدم مبالاة أي شعب بحجم الأخطار التي تهدد حاضره ومستقبله أمرًا سيئًا للغاية. ويزداد الأمر سوءًا عندما يرفض هذا الشعب الاستماع لمن ينبهه إلى تلك الأخطار. أما الطامة الكبرى، بلا شك، فتكمن في تكتل هذا الشعب لمواجهة ومحاربة الشخص الذي يقرع ناقوس الخطر.
منذ فجر التاريخ، دأبت البلاد المستقرة أو الراكدة على رفض التغيير والارتياب من أصحاب الأفكار الداعية إليه. وكثيرًا ما تتعاضد الحكومات مع الشعوب والمؤسسة الدينية لمواجهة الاكتشافات العلمية، وتكفير أصحابها وشيطنتهم. فقد كان الاعتقاد السائد لمئات السنين أن الأرض مسطحة ومركز الكون. ثم ظهر العالم الإيطالي غاليليه ليصدمهم بقوله إنها كروية وتدور، وإن الشمس هي المركز. وسرعان ما وقفت الجماهير، إلى جانب الحكام والكنيسة، لمجابهته بسؤال يبدو منطقيًا وصوريًا ومحرجًا: أيعقل أن نكون كلنا مخطئين، وأنت وحدك، أيها العالم، المصيب؟
تمضي الأيام والشهور والسنون ليتضح أن رأي العالم، وحده، هو المصيب. فما قيمة آراء ملايين الناس، أصلًا، إذا لم يكونوا علماء؟ وتمر سنون أخرى، وينضم إلى غاليليه علماء آخرون، ويصل الناس، بفضل العلم، إلى الفضاء، ويلتقطون صورًا للكون تؤكد أن الشمس التي نظنها وحيدة ليست كذلك، فثمة الملايين من الشموس والمجرات والنجوم والأقمار. وتبدأ البشرية، بعد قرون من العتمة والجهل والخرافة، بالتمايز بين شعوب تؤمن بالعلم وتشجع العلماء وتعتذر لمن أساءت إليهم في غابر السنين، وتنقل ما توصل إليه العلم إلى الصناعة والإنتاج، محققة قفزات عالية في التطور والرفاه. في المقابل، هناك شعوب أخرى تتمسك بالجهل والخرافة والأساطير، وتبقى على عدائها لكل من يحاول إصلاحها أو انتشالها من غياهب الظلمات.
في البلدان التي تجاوزت عصور الظلمات، يُطبع كتاب جديد فيقرؤه الناس، وإن وجدوا فيه شيئًا مفيدًا، أولوه اهتمامهم وحاولوا الاستفادة منه، وإذا وجدوه فارغًا أو تافهًا، أهملوه. أما في بلادنا، فما زلنا نتمسك بالثبات والركود وعوامل التخلف. ومع أن المنطق السليم يقتضي أن نرد على الفعل بفعل من جنسه، أي أن نرد على أفكار طُرحت في كتاب بكتاب مماثل أو بمقالة نقدية، فقد ذهبنا في الخصومة مع الجديد المبتكر إلى حد مجابهة الكلمة الحرة، التي تنشد العلم والتطور، بالشتم أو بالتشهير الشخصي بقائلها، وبسباب واحدة من النساء اللواتي يلذن به. ونقرر أن نمنع مؤلفاته ونحذر الناس من قراءتها. وقد يصل بنا رفض الجديد إلى حد أن نسجن الكاتب المفكر، أو ننفيه خارج البلاد، أو نطلب من الجهة التي تشغله أن تقيله لينقطع رزقه ويُحاصر، ليصبح أمامه طريقان لا ثالث لهما: أولهما أن يتحمل الفقر والتشرد والعوز ويبقى على أفكاره التي يثق بصحتها، وثانيهما أن يمثل علينا دور التائب المرتجع المعترف بأنه كان مخطئًا، ثم يعتذر عن الأفكار الجميلة المفيدة التي كان يريد أن ينفعنا بها!
إننا، هنا، نصل إلى الحالة التي عبّر عنها الكاتب السعودي إبراهيم البليهي بقوله: نحن لسنا متخلفين وحسب، نحن نحاول أن نشد العالم لنرغمه على أن يكون متخلفًا مثلنا.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة