مسلسل "قيصر" يثير جدلاً واسعاً: اتهامات بـ"تسليع الألم" واستغلال معاناة المعتقلين السوريين


هذا الخبر بعنوان "مسلسل “قيصر”.. دراما تواجه اتهامات “تسليع” الألم" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بعد عرض ثلاثيتين منه خلال موسم دراما رمضان، وجد مسلسل "قيصر.. لا مكان لا زمان" نفسه في قلب جدل واسع داخل المجتمع السوري. لم يقتصر هذا الجدل على الجانب الفني أو جودة الإنتاج، بل امتد إلى جوهر تساؤل أخلاقي عميق: هل يجوز تحويل المعاناة الحقيقية لضحايا الاعتقال والتعذيب في سوريا إلى مادة درامية تُعرض على الشاشة التلفزيونية؟
المسلسل، الذي يتألف من ثلاثيات درامية تستوحي شهادات وتجارب من داخل السجون السورية وتوثق أفعال النظام "الإجرامية" خلال سنوات الثورة السورية، لم ينجُ من دائرة النقد. فقد اتهمه ناشطون وعائلات الضحايا بـ"تسليع الألم" واستغلاله لأغراض تجارية وفنية قبل تحقيق العدالة الكاملة. يشارك في بطولة العمل نخبة من الممثلين منهم سلوم حداد وغسان مسعود وصباح الجزائري ومهيار خضور وآخرون، وقد تولت مجموعة من الكتاب تأليفه، بينما أخرجه صفوان نعمو.
وفي هذا السياق، أصدرت رابطة "عائلات قيصر"، التي تمثل ذوي ضحايا صور المأساة في سجون النظام السوري السابق، بيانًا شديد اللهجة أعلنت فيه رفضها القاطع لتحويل جراحهم المستمرة إلى مادة ترفيهية. من جانبه، صرح محمد الشمسيني، الرئيس التنفيذي لشركة "الأديب" للإنتاج الفني ومنتجة مسلسل "قيصر"، لعنب بلدي، بأن العمل يهدف إلى توثيق جرائم الحقبة الأسدية ويركز على الجانب الإنساني، خاصة معاناة المعتقلين في السجون، مؤكدًا أهمية هذا التوثيق كجزء من دليل وإثبات لانتهاكات تلك الفترة.
الجدل المحتدم حول العمل يعكس تساؤلاً أوسع حول دور الدراما في معالجة الأحداث التاريخية المؤلمة. فبينما يرى القائمون على العمل أن الدراما وسيلة لتوثيق الانتهاكات ورفع الوعي، يرى منتقدوها أن مجرد تحويل التجربة الإنسانية إلى عمل تلفزيوني قد يبدد الأثر الحقيقي للمعاناة. يرى الصحفي والناقد الفني شارل عبد العزيز أن تناول ملف الاعتقال في الدراما السورية ليس وليد الموسم الرمضاني الحالي ولا يمكن اختزاله بعمل واحد، فقد طُرح الموضوع سابقًا في محطات متعددة، سواء خلال سنوات الثورة أو قبلها.
ويعتبر عبد العزيز أن ملف المعتقلين مادة غنية ومؤثرة في الوجدان السوري الذي عاش عقودًا تحت وطأة القمع. لكنه ينتقد ما يراه استعجالًا في بعض المعالجات الدرامية الراهنة، معتبرًا أن الدراما ليست نشرة أخبار ولا بديلاً عن الفيلم الوثائقي. فوظيفتها، برأيه، ليست نقل الوقائع كما حدثت، بل إعادة صياغتها فنيًا بعد أن "تختمر" التجربة ويُتاح للكاتب وقت كافٍ للتأمل والنسج الدرامي. وأشار عبد العزيز، في حديث لعنب بلدي، إلى أن بعض ثلاثيات "قيصر" بدت أقرب إلى تجميع أحداث وشعارات ومصطلحات أمنية معروفة، دون تعميق إنساني كافٍ، ما جعلها أقرب إلى سرد تقريري منها إلى بناء درامي متكامل. كما لفت إلى أن قصص المعتقلين لم تنتهِ بعد، فثمة مفقودون لم يُعرف مصيرهم، ومعتقلون خرجوا ليواجهوا عزلة جديدة وأزمات نفسية واجتماعية لم تُروَ على الشاشة كما يجب. ويرى أن كثافة الأعمال الدرامية التي تناولت الاعتقال في موسم واحد أضعفت أثرها، وحوّلت القضية إلى ما يشبه "الترند" الدرامي.
من جانبه، قال الصحفي والناقد الفني أنس فرج إن المسلسل لم يستطع التعبير عن نفسه بشكل كافٍ لعرض ست حلقات منه فقط، حيث اقتصر العرض على ثلاثيتين من أصل عشر، محاولًا المزج بين الخط السياسي والاجتماعي برسائل مباشرة. يوافق فرج عبد العزيز في أن العمل يطرح مرحلة حساسة وحديثة في الشارع السوري ما زالت انعكاساتها قائمة، كون قضية المفقودين ومصير آلاف المعتقلين ما زالت مستمرة. هذا يتطلب، برأيه، دراسة دقيقة للحكاية ووجود اختصاصيين نفسيين وحقوقيين لتقديم القصة بأنسب وأدق شكل ممكن. وقال فرج في حديث إلى عنب بلدي إن الانتقادات مسموحة ولو جاءت لمشاهد معينة بعد العرض، عقب هجوم مبكر على العمل قبل عام أثناء بداية تصويره. ويرى فرج أنه من الأفضل الانتظار حتى يصبح المشهد السياسي في سوريا أوضح، وتقديم حكاية غير آنية لمجرد مواكبة الحدث، بل صياغتها كوثيقة عن مرحلة دموية ومفصلية بتاريخ سوريا.
طالت الانتقادات أيضًا مشاركة بعض الممثلين المعروفين بمواقفهم المؤيدة لرئيس النظام السوري المخلوع بشار الأسد، كسلوم حداد وغسان مسعود، في العمل. ولم تقتصر حالة الجدل على ذلك، بل امتدت لتشمل كاتب أغنية المسلسل، الذي اشتهر سابقًا بكتابة أغانٍ مجّدت النظام السابق وجيشه، الأمر الذي قوبل باستهجان واسع من شريحة كبيرة من الجمهور. وفي السياق، يميّز الصحفي والناقد الفني شارل عبد العزيز بين الموقف السياسي للفنان وأدائه الفني، مؤكدًا أن الممثل لا يُختزل بآرائه الشخصية، وأنه قد يجسّد شخصية تناقض قناعاته تمامًا. لكنه في الوقت نفسه يشير إلى أن بعض الأداءات في "قيصر" لم تنجح في خلق التعاطف المطلوب، مقارنة بأداءات سابقة في أعمال مثل مسلسل "قلم حمرة"، أو حلقة "أكاليل الشوك" من مسلسل "أهل الغرام"، التي استطاعت، برأيه، إيصال الإحساس العميق بتجربة الاعتقال.
أحد أبرز مآخذ عبد العزيز تمثّل في رسم الشخصيات بصورة نمطية، حيث بدا الشر مطلقًا والخير مطلقًا، دون مناطق رمادية تعكس تعقيد الواقع. ويرى أن بعض الحوارات والمواقف اتسمت بالمباشرة أو المبالغة، ما أفقد الشخصيات صدقيتها وجعلها أقرب إلى "كرتونية" أو خطابية. كما انتقد عبد العزيز تركيز إحدى الثلاثيات على مشاهد العنف والدماء على حساب ما بعد الخروج من المعتقل: الصدمة، الشعور بالذنب، اضطراب العلاقات، ومحاولات الاندماج مجددًا في الحياة، هذه المساحات، برأيه، كانت كفيلة بمنح العمل بعدًا إنسانيًا أعمق. بدوره، يعتبر الصحفي والناقد الفني أنس فرج أن مواقف الفنانين السوريين حُمّلت أكثر مما تحتمل والسبب طول الصراع، والظهور الإعلامي المتعدد للفنانين بأكثر من مناسبة وإجبار البعض على تصريحات معينة، مقابل مواقف خاطئة وغير مدروسة من فنانين آخرين. لكن الفنان يجب أن يُقيّم حسب أدائه للدور وصدقه في تأدية المشهد، وليس بناء على مواقف سياسية سابقة وإن كان من الأفضل الابتعاد عن أسماء مثيرة للجدل، بحسب تعبيره.
طالبت الانتقادات بوقف العمل وتقديم شكاوى قانونية بحق صناعه، واعتبر المنتقدون أن دماء الشهداء وتعذيب المعتقلين ليست سلعة للترفيه. وفي خضم الجدل الدائر، يقدّم مدير منظمة "سوريون من أجل الحقيقة والعدالة"، بسام الأحمد، مقاربة تفصل بين ما هو قانوني وما هو أخلاقي، مؤكدًا أن النقاش القائم لا يبدو في جوهره إشكالية قانونية بقدر ما هو سجال أخلاقي وسياسي. يوضح الأحمد أن أي تحرك قضائي ضد عمل فني يجب أن يستند إلى مخالفة صريحة لقانون نافذ، فلا يمكن رفع دعوى لأن العمل لم يعجبنا، أو لأن توقيته غير مناسب، أو لأن أحد المشاركين فيه كان مؤيدًا للنظام السابق أو صامتًا في مرحلة سابقة. المعيار القانوني، بحسب الأحمد، واضح: "إذا تضمّن العمل قدحًا أو ذمًا أو تشهيرًا بشخص محدد، أو خالف نصًا قانونيًا معمولًا به، يمكن حينها اللجوء إلى القضاء، أما الاعتراض المبني على الموقف الشخصي أو الشعور بعدم الملاءمة، فلا يكفي وحده لتأسيس دعوى قانونية".
في مواجهة الحجة القائلة إن مصير المفقودين لم يُكشف بعد، وبالتالي لا يجوز إنتاج أعمال درامية حولهم، يشير بسام الأحمد إلى أن الحالة السورية شهدت بالفعل تقارير إعلامية، وأفلامًا وثائقية، وأعمالًا تناولت الكيماوي والاختفاء القسري وجرائم متعددة، رغم غياب العدالة الكاملة حتى الآن، متسائلاً عن الرابط الحتمي بين اكتمال الحقيقة ومنع أي عمل درامي. ويرى الأحمد أن توثيق حدث لم يُكشف مصيره بالكامل لا يشكّل بحد ذاته إشكالية قانونية، وقد لا يكون إشكاليًا أخلاقيًا أيضًا، إلا إذا ارتبط بسياقات أخرى. كما يلفت إلى أن جوهر الاعتراضات قد لا يكون في فكرة "توثيق الجرح المفتوح"، بل في عناصر أخرى مرافقة. ويرى أن بعض الانتقادات تتركز حول مشاركة ممثلين سبق أن التزموا الصمت أو أبدوا مواقف مؤيدة للسلطة آنذاك، هنا يقرّ بأن الإشكالية قد تكون أخلاقية أكثر منها قانونية، موضحًا: "أخلاقيًا، قد يكون من الصعب تقبّل أن يشارك شخص دافع عن الانتهاكات في عمل يتناولها".
يتوقف مدير منظمة "سوريون من أجل الحقيقة والعدالة"، بسام الأحمد، عند اتهامات "المتاجرة بالمعاناة"، معتبرًا أن إطلاق أحكام القيمة يحتاج إلى حذر، مشددًا على ضرورة التمييز بين النقد المشروع والتخوين المسبق. ومن حيث المبدأ، يذكّر بأن للدراما دورًا في تخليد الذاكرة وكشف الحقيقة، تمامًا كما حدث في تجارب عالمية تناولت جرائم كبرى عبر السينما والتلفزيون، دون أن يُنظر إليها حصرًا كفتح للجراح.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة