ظاهرة التغول الوظيفي في سوريا: استعراض السلطة من المكاتب إلى منابر المساجد


هذا الخبر بعنوان "تغول المسؤولين حتى على المساجد" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد سوريا ظاهرة متنامية يمكن وصفها بالتغول الوظيفي، حيث يمارس المسؤول الأعلى سلطة مفرطة على المسؤول الأدنى، تصل إلى حد عدم احترام خصوصيته في مكتبه وإزاحته من كرسيه للجلوس مكانه. يتجاوز هذا التغول أحياناً حدود المؤسسات الحكومية، ليمتد إلى الفضاء العام، ويصعد بعض المسؤولين إلى أي منبر متاح لمخاطبة الناس، بما في ذلك منبر المسجد.
يروي الكاتب بلال سليطين من سناك سوري مشهداً محفوراً في ذاكرة السوريين، يتمثل بمسؤول يسير متمختراً وخلفه عشرات المسؤولين الأدنى، يتحدث بنبرة فوقية ويصدر الأوامر. يستذكر الكاتب حادثة وقعت عام 2010 عندما كان صحفياً مبتدئاً، حيث قام محافظ باقتحام مركز حكومي يبيت فيه الموظفون. فتح المحافظ أبواب غرف المنامة دون استئذان، وبدأ يستجوب الموظفين عن سبب نومهم أو لباسهم، مدفوعاً بشعور الفوقية والقدرة على فعل أي شيء دون احترام لحق الموظف في الخصوصية أو الراحة، ودون معرفة بنظام العمل في المركز الذي قرر أن يجري عليه "كبسة".
يعرّف التغول الوظيفي بأنه تحول السلطة من وظيفة محددة الصلاحيات إلى ممارسة شخصية تتجاوز القانون، ليصبح المنصب أداة سيطرة رمزية ونفسية على من هم أدنى وظيفياً وعلى الفضاء العام.
قد يتذكر الكثيرون مشهد المسؤول المتسلط في لوحات مسلسل مرايا الذي قدمه الفنان ياسر العظمة. لكن هناك صورة أخرى قدمت في مسلسل يوميات مدير عام للفنان أيمن زيدان، حيث جسد دور المدير النظيف والجيد. ومع ذلك، يلاحظ الكاتب أن كلمة "معلم" كانت شديدة الاستخدام في المسلسل دون اعتراض من المدير المميز، مما يشير إلى تحولها إلى ثقافة عامة لا ينتبه طاقم العمل لضرورة إصلاحها أو تغييرها في وعي الناس.
يخلط هذا النمط بين الزيارة الشخصية والوظيفية، فزيارة العمل مكانها قاعة الاجتماعات، وهدفها ليس استعراض التراتبية الهرمية للسلطة أمام الكاميرات، بل ممارسة العمل بفعالية.
تستمر ظاهرة تغول المسؤول حتى اليوم وتظهر بأشكال مختلفة، من المواكب الرسمية إلى الشعور بالأولوية في الفضاء العام والفردية في المؤسسات. يركز الكاتب على مشهدين رئيسيين: العلاقة بين المسؤول الأعلى والأدنى، والعلاقة مع الفضاء العام، وبشكل خاص المساجد ودور العبادة.
تتكرر صور المسؤولين من وزراء ومدراء عامين الذين يزورون مسؤولين أدنى منهم في مكاتبهم. وبعيداً عن فكرة الزيارات المتبادلة، غالباً ما يجلس المسؤول الأعلى مكان المسؤول الأدنى خلف مكتبه. هذا المشهد، الذي يُعد طبيعياً في الصورة الذهنية الراسخة، هو فعلياً تغول على المسؤول الأدنى وظيفياً وعلى مساحته الخاصة. فالمكان الذي يجب أن يجلس فيه الوزير أو المدير الضيف لا يصح أن يكون خلف مكتب المدير، وبالمقابل لا يجوز للمدير أن يجلس خلف مكتبه بحضور مسؤول أعلى بروتوكولياً.
القضية هنا أن المنصب ليس امتداداً للشخص، بل المؤسسات هي مساحات عمل تشاركية، ومكاتبها ليست عروشاً يتربع عليها المسؤولون الأعلى. وربما يأتي يوم لا يجلس فيه المسؤول حتى خلف مكتبه في الاجتماعات مع الموظفين، بل يجلس مقابلهم أو على طاولة مستديرة تحول دون وضعه في موقع أعلى من الآخرين.
المشكلة لا تبدأ من شخصية المسؤول، بل من نظام إداري صُمم تاريخياً على أساس الهيمنة لا على أساس المؤسسة، وهو ما يجب تغييره من أساسه ليعود المسؤول موظفاً لا متغولاً.
أما المشهد الآخر شديد الخطورة، فهو التغول على الفضاء العام والخاص، وعلى سبيل المثال المساجد. فعندما يأتي مسؤول ليصلي صلاة التراويح في الجامع، هو مصلي مثل كل المصلين الآخرين، مكانه بينهم لا أمامهم، فلا تمييز له عليهم في دار العبادة. المصلون في المسجد حضروا من أجل ممارسة طقوسهم وعباداتهم الخاصة والاستماع للإمام والخطيب، وليس لكلام المسؤول من أي مستوى كان. وعندما يريد المسؤول أن يخاطب الناس، عليه أن يختار مكاناً مناسباً ويخطرهم مسبقاً أنه سيخاطبهم، لا أن ينتهك خصوصيتهم ومساحتهم ويستحوذ على منبر المسجد.
منبر المسجد هو مساحة رجل الدين من إمام وخطيب ومقرئ وما شابه، وهذه مساحتهم الوظيفية ومكان ممارسة دورهم، تماماً كما أن مقر المحافظة هو مساحة المحافظ الوظيفية.
ختاماً، بناء الدولة والثقافة العامة والسلوكية تجاه العمل الوظيفي متكاملان. فلا تُبنى الدولة بالمكاتب، ولا يحظى المسؤول باحترام المواطنين بأشكال المكاتب والكراسي، بل بسلوكه ونجاحه في عمله. والفضاء العام لا يدار بالصوت العالي ويتحول لمساحة لمن معه سلطة، فأساس البناء أن يعرف كل مسؤول صلاحياته وحدود مساحته والفضاء الذي يحق له فيه أن يخاطب الناس ويتصدر المنبر.
سياسة
سياسة
سياسة
اقتصاد