نادر توفيق العجي: حارس العمود الشعري وناشط ثقافي يربط الكلمة بجذرها الأول


هذا الخبر بعنوان "الشاعر نادر توفيق العجي: حين يتكيء العمود الشعري على تراب الذاكرة" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: علي نفنوف
في المناطق التي يلامس فيها البحر كتف التلال، وتصعد أشجار الزيتون من تراب صافيتا كصلاة خضراء، يولد الشعر هادئًا وعميقًا، وكأنه قدر المكان وسريرته. هناك، في قرية بيت أحمد ونوس بريف طرطوس، تشكلت البذرة الأولى للمعلم والمدرس، وللصوت الشعري الذي غدا سمة بارزة للشاعر نادر توفيق العجي. امتزجت اللغة بعبق الأرض، وصار الحقل صورة في القصيدة، وغدت القصيدة حقلاً آخر يورق بالكلمات.
ينحدر الشاعر من بيئة ريفية ساحلية منحته صفاء النظرة وصلابة الجذر، فانعكس ذلك في شعره تعلقًا واضحًا بالمكان واحتفاءً بالتراب الأول. ارتبط اسمه لاحقًا بمدينة حمص، حيث نشط في فضائها الثقافي وشارك بانتظام في الأمسيات والاصبوحات التي تقيمها مديرية الثقافة والمراكز الثقافية فيها. بذلك، أصبح حضوره جزءًا لا يتجزأ من المشهد الأدبي في حمص وطرطوس معًا، وتكرس اسمه ضمن دائرة الشعراء الفاعلين في المنابر الثقافية السورية.
عُرف نادر توفيق العجي بكونه شاعرًا منبريًا يكتب القصيدة لتُسمع كما تُقرأ، ويصوغ عبارته على نحو يتكئ على الإيقاع الواضح والجرس القوي، محافظًا على بنية القصيدة العمودية الملتزمة بالأوزان الخليلية والقافية. يمثل هذا انحيازًا صريحًا إلى المدرسة الكلاسيكية المحدثة التي تتميز بالجزالة اللغوية وسلامة التركيب وتدفق المعنى دون افتعال أو تعقيد. لقد اختار أن يبقى وفيًا لعمود الشعر العربي، مستثمرًا طاقته الموسيقية في خدمة قضايا معاصرة وهموم إنسانية حاضرة.
تتنوع أغراضه الشعرية بين الوطني والوجداني والغزلي والإنساني. فقد خصص مساحة واسعة من نصوصه لتمجيد الوطن، معبرًا عن الألم الجمعي والأمل المتجدد في آن واحد. كما كتب في الحنين إلى الأرض وفي صفاء العاطفة الإنسانية، فبدت قصيدته تارة صوتًا جماعيًا وتارة همسًا فرديًا، غير أن خيط الصدق العاطفي ظل يجمع هذه التجليات كلها ويمنحها تماسكها الداخلي.
أصدر الشاعر عدة دواوين شعرية، ونشر قصائده في عدد من الصحف والمجلات السورية والعربية، من بينها جريدة تشرين وجريدة العروبة الصادرة في حمص وجريدة الراية القطرية. أتاح هذا لنصه أن يتجاوز حدود المنبر المحلي إلى فضاء عربي أوسع. تداولت المنابر الثقافية عناوين عدد من قصائده مثل: حباك الله من شرف حباك، وتغريدة الشعر، وحواكير القصائد، وصداح الحلم، وهي عناوين تكشف عن عالمه الدلالي القائم على الأرض والصوت والكرامة في آن معًا.
رغم امتلاكه مجموعات شعرية متداولة، فإن إصراره على الحضور الشخصي في كل الفعاليات هو الهاجس الأقوى لديه. ومن بين المبادرات التي تكشف عن وعيه بدور الثقافة خارج الإطار الرسمي، سعيه الجاد إلى تأسيس نادي أصدقاء اتحاد الكتاب العرب في صافيتا. هذه الفكرة تنبع من إيمانه بأن الثقافة ليست مؤسسة فحسب، بل علاقة إنسانية تقوم على المحبة والتكافل والتشارك المعرفي. يهدف النادي إلى جمع الشعراء والأدباء في فضاء مفتوح لا تحكمه الصفة الإدارية بقدر ما يجمعه الانتماء الحر للكلمة، في محاولة لخلق نشاط ثقافي موازٍ لاتحاد الكتاب العرب من حيث الروح والهدف، لا من حيث الصفة التنظيمية الرسمية. يطمح العجي إلى بناء حلقة وصل بين الزملاء وتوثيق أواصر الصداقة بينهم، وفتح منابر للحوار والقراءة وتبادل التجارب، بما يعزز حضور صافيتا الثقافي ويمنح المبدعين مساحة لقاء بعيدًا عن القيود الشكلية وقريبًا من جوهر الإبداع الذي يقوم على الألفة والانفتاح والتعاون.
في شعره، تتجاور مفردات الريف مع نبرة الإنشاد، وتتآلف صورة الحاكورة مع صورة المنبر، في توازن بين البساطة والرصانة، وبين الانتماء للماضي والانفتاح على الحاضر. إنه شاعر يرى في القصيدة موقفًا أخلاقيًا بقدر ما هي بناء جمالي، ويجعل من الوزن والقافية إطارًا يحفظ حرارة التجربة لا قيدًا يحد منها. هكذا يتشكل حضور نادر توفيق العجي في المشهد الثقافي السوري بوصفه صوتًا يحرس العمود الشعري ويمنحه نفسًا معاصرًا، ويعيد وصل اللغة بجذرها الأول في التراب والكرامة. ففي زمن تتعدد فيه التجارب وتتباعد المسارات، يظل هو وفيًا لإيقاعه الأول، كأنما يقول إن الشعر إذا فقد ميزانه فقد بعض روحه، وإن الأرض التي أنجبت الكلمة قادرة دائمًا على أن تمدها بما يبقيها حية في الوجدان.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة