سوريا: السياحة العلاجية.. مقومات واعدة وتحديات تنظيمية نحو استقطاب الزوار وتنشيط الاقتصاد


هذا الخبر بعنوان "بين المقومات الطبيعية والإطار التنظيمي.. أين تقف السياحة العلاجية في سوريا؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تُعوّل المؤسسات الحكومية، وفق ما ذكرته ماجدة إبراهيم، على قطاع السياحة العلاجية كرافد حيوي لتنشيط الاقتصاد الوطني وجذب الزوار. يستند هذا الرهان إلى امتلاك سوريا لمواقع طبيعية ذات خصائص علاجية مميزة، بالإضافة إلى توفر خدمات طبية متخصصة. ومع ذلك، لا يزال هذا القطاع في طور التنظيم والتأهيل، قبل أن يتمكن من التحول إلى نشاط اقتصادي متكامل قادر على المنافسة الإقليمية. فمفهوم السياحة العلاجية يتجاوز مجرد زيارة موقع استشفائي أو إجراء عملية جراحية؛ إنه منظومة متكاملة تضم خدمات طبية وفندقية ونقل ومتابعة علاجية، مما يجعل نجاحها مرهونًا بالتنسيق والتكامل بين عدة جهات خدمية في آن واحد.
تزخر سوريا بالعديد من المواقع الطبيعية ذات الخصائص الاستشفائية، والتي تُعد فرصًا واعدة للاستثمار. تشتهر هذه المواقع، لا سيما تلك الغنية بالمياه المعدنية والكبريتية، بجذب الزوار الباحثين عن العلاج الطبيعي والاستجمام. ومن أبرز هذه المناطق جباب في محافظة درعا، والسخنة في محافظة حمص، بالإضافة إلى مواقع أخرى مثل العباسية في حماة وحمامات الشيخ عيسى في إدلب.
على الرغم من أن هذه المواقع كانت وجهة مفضلة للزوار في السابق، إلا أن توقف الخدمات لفترات طويلة أثر سلبًا على نشاطها. دفع هذا الواقع وزارة السياحة إلى إدراجها ضمن خطة شاملة لإعادة التأهيل، بهدف إعادتها للخدمة بما يتوافق مع المعايير الحديثة للسياحة العلاجية. تتضمن الخطة إعادة تأهيل وصيانة الآبار العلاجية، وتأمين المياه وفق شروط صحية صارمة، بالإضافة إلى تحديث البنية التحتية وتطوير المنشآت السياحية المحيطة بها. يهدف ذلك إلى توفير بيئة علاجية آمنة ومناسبة للزوار، بحيث تتجاوز الزيارة مجرد الاستجمام لتشمل إقامة علاجية متكاملة.
في سياق تنظيم القطاع وتعزيز التنسيق المؤسساتي، صرح المكتب الإعلامي لوزارة السياحة لصحيفة الثورة السورية بأن القطاع لم يكن منظمًا بالشكل الأمثل في السابق. وقد استدعى هذا الأمر عقد اجتماعات تنسيقية مكثفة مع وزارتي الصحة والإدارة المحلية، بهدف وضع خطة شاملة لتنظيم هذا القطاع الحيوي.
تركز الخطة على إرساء آلية واضحة لاستقبال المرضى والسياح الباحثين عن العلاج، بدءًا من التواصل مع الشركات المتخصصة في تنظيم الرحلات العلاجية، وصولًا إلى توفير الخدمة الطبية والإقامة والمتابعة ما بعد العلاج. كما تشمل الخطة اعتماد المنشآت الطبية التي تستوفي شروط وزارة الصحة، وتطوير المنشآت السياحية المجاورة للمراكز العلاجية.
من المتوقع أن يسهم هذا التنسيق الفعال في الحد من العشوائية التي كانت سائدة في عمل بعض المراكز، وتحويل الخدمات المقدمة إلى إطار منظم يحدد بوضوح مسؤوليات كل جهة، سواء كانت طبية أو سياحية أو خدمية.
تؤكد الوزارة على الإمكانات الكبيرة للسياحة العلاجية في خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة ضمن القطاعات الطبية والفندقية والخدمية. كما ترى أنها ستعمل على تنشيط الأسواق المحلية وتوفير موارد إضافية من القطع الأجنبي، فضلاً عن دعم الاستثمارات في كل من القطاعين الصحي والسياحي.
لتحقيق هذه الأهداف، تعمل الوزارة على تدريب وتأهيل الكوادر المتخصصة من خلال المعاهد والمدارس الفندقية، وتنظيم دورات تدريبية للعاملين في المنشآت السياحية والطبية. يهدف ذلك إلى رفع جودة الخدمات المقدمة للزوار، إيمانًا بأن نجاح هذه التجربة يعتمد على مستوى الخدمة المقدمة بقدر اعتماده على توفر المقومات الطبيعية.
تتضمن خطط الترويج إطلاق حملات تسويقية مكثفة تركز على الخصائص العلاجية الفريدة للمياه الكبريتية والخدمات الطبية المتخصصة. كما ستشمل هذه الحملات أنماط السياحة التجميلية والعلاجية، بهدف استقطاب شرائح متنوعة من الزوار.
فيما يتعلق بالترخيص وضبط الجودة، أوضح مدير المنشآت الصحية في وزارة الصحة، الدكتور واصل الجرك، في تصريح لـ"الثورة السورية"، أن الوزارة قامت بتطوير شروط ترخيص المنشآت الصحية المرتبطة بالسياحة العلاجية، كـالمنتجعات الطبية والمدن الصحية. أما ترخيص الشركات العاملة في هذا المجال، فيتم من قبل وزارة الاقتصاد.
وأشار الدكتور الجرك إلى أنه لا توجد حاليًا قائمة رسمية بالمنشآت المرخصة، نظرًا لأن القطاع لا يزال في مرحلة التنظيم. ولفت إلى أن بعض المراكز تروج لخدماتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدًا أنه سيتم نشر معلومات رسمية لاحقًا فور صدور التشريعات اللازمة.
وأكد الجرك أن الوزارة تلتزم بمراقبة جودة الخدمات المقدمة وفق الإجراءات المعيارية المعتمدة في المشافي والمراكز الخاصة. ويتم ذلك من خلال الكشف الدوري، وضبط الجودة، وتطبيق بروتوكولات الوقاية ومكافحة العدوى، سواء كان المستفيد مريضًا أو زائرًا لأغراض الاستجمام.
كما أشار الجرك إلى أن تدريب الكوادر على التعامل مع المرضى الأجانب يتم حاليًا عبر القطاع الخاص، بينما تدرس الوزارة إدراج هذا الجانب ضمن سياساتها المستقبلية، ليشمل مهارات التواصل والإجراءات الطبية الخاصة بالمرضى القادمين من خارج البلاد. يجري العمل أيضًا على تخصيص منشآت صحية متكاملة للسياحة العلاجية، ومن المتوقع إنجاز أحد هذه المشروعات خلال ستة أشهر لتقديم جراحات وخدمات طبية عالية التخصص.
وأوضح أن الإحصاءات المتعلقة بالسياحة العلاجية ليست مركزية في الوقت الراهن، ويتم جمعها من المراكز ذاتها. ويجري حاليًا التنسيق مع وزارة السياحة ووزارة الإدارة المحلية لتنظيم القطاع بشكل متكامل، وهي خطوة أساسية قبل البدء بمرحلة الترويج الخارجي الواسع.
تتضمن الاختصاصات الأكثر طلبًا في مجال السياحة العلاجية الإجراءات التجميلية، وزراعة الأسنان وتجميلها، وجراحة البدانة، بالإضافة إلى الجراحات العينية والأذنية والعصبية. تعتمد هذه الاختصاصات بشكل كبير على توفر كوادر طبية مؤهلة وذات كفاءة عالية، أكثر من اعتمادها على التجهيزات السياحية وحدها.
على الرغم من توفر المقومات الطبيعية والطبية اللازمة، إلا أن الواقع الحالي يشير إلى أن قطاع السياحة العلاجية لا يزال في مرحلة التحضير. ويتركز العمل حاليًا على إصدار التشريعات المنظمة، وتأهيل المواقع العلاجية، وتحسين البنية التحتية، وتوحيد آليات الرقابة لضمان الجودة.
مع اكتمال هذه الخطوات، تُعوّل الجهات المعنية على تحويل هذا القطاع إلى مورد اقتصادي حيوي يدعم النشاط السياحي والصحي. ويهدف ذلك إلى الاستفادة القصوى من المزايا الطبيعية والخدمات الطبية التخصصية، لضمان أن تكون السياحة العلاجية قطاعًا اقتصاديًا مستدامًا وغير موسمي، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالخدمات الصحية والسياحية معًا.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة