الآرامية في سوريا: صراع لغة التاريخ الحيّة من الاندثار إلى آفاق اليونيسكو


هذا الخبر بعنوان "اللغة الآراميّة في سوريا.. لسانٌ يصارع الاندثار ويحفظ ذاكرة التاريخ" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تُعدّ القرى السورية الثلاث «معلولا وجبعدين وبخعا» في محافظة ريف دمشق، اليوم، الحصن الأخير للامتداد الغربي للغة الآرامية في العالم. يتشبث نحو خمسة عشر ألف نسمة من سكان هذه القرى بلسان آبائهم وأجدادهم، ساعين لنقله جيلاً بعد جيل. وفي إطار جهود صون التراث المادي واللامادي لهذه اللغة العريقة، الذي يشمل المخطوطات والأدوات والمواد الصوتية، أصدر وزير الثقافة محمد ياسين صالح مؤخراً قراراً يقضي بالترخيص لافتتاح «متحف اللغة الآرامية التراثي» في قرية جبعدين، ليكون مركزاً لحفظ هذا الإرث الثقافي.
ولفهم أعمق للغة الآرامية وتاريخها وحضورها الراهن، ورؤية مستقبلية للحفاظ عليها، أجرت «الثورة السورية» حواراً مع الباحث في التاريخ والتراث اللغوي جهاد محمد ضامن، الذي تعمق في دراسة الآرامية وترجم نصوصاً منها إلى العربية وأسهم في تعليمها. سُئل ضامن عن أهمية حماية اللغات المحلية كجزء من التراث اللامادي، فأجاب بأن الدول تتنافس على تسجيل أكبر قدر من عناصر التراث اللامادي في موسوعة «غينيس» ولوائح المنظمات الدولية والوطنية، لأن ملكية هذا التراث تعزز شرعية وجود الشعب على أرضه وتثبت حقوقه وترسخ هويته الوطنية والتاريخية. وفي هذا السياق، تعمل مؤسسة الياس حنا التراثية على إعداد ملف لتقديمه إلى وزارة الثقافة بهدف إدراج اللغة الآرامية في القرى الثلاث ضمن لائحة اليونيسكو للتراث الإنساني اللامادي.
وعن كيفية عكس التنوع اللغوي في سوريا لتنوعها الديني والثقافي، أوضح ضامن أن اللغة هي وعاء الفكر والثقافة، وأن تعلم لغة جديدة يمنح المتعلم ثقافة جديدة بالقدر نفسه. فوجود لغات متعددة في مجتمع ما يدل على حيويته، فالاختلاف سنة من سنن الحياة.
تضرب الآرامية بجذورها في أعماق التاريخ، إذ يعود عهدها إلى نحو خمسة آلاف عام مع ظهور الآراميين في بلاد الشام وشمال غربي العراق. اشتد سلطانها اللغوي في القرن الثاني عشر قبل الميلاد، وبلغ أوج انتشارها في القرنين التاسع والثامن قبل الميلاد لتصبح لغة واسعة النطاق في بلاد الشام وشرق المتوسط. صمدت الآرامية أمام تعاقب اللغات كاليونانية والرومانية ثم العربية، لكنها بدأت بالتراجع تدريجياً مع حلول القرن السابع الميلادي، وإن لم تنقطع سلسلتها الحية.
وبخصوص الفرق بين الآرامية القديمة والمحكية اليوم، بيّن ضامن أن الآرامية لسان سامي عريق تأثرت بنيته وألفاظه بالتحولات السياسية والاقتصادية والحضارية. ورغم أن الآرامية المعاصرة ليست مطابقة لقديمها، إلا أنها الامتداد الأقرب للآرامية الفلسطينية الجليلية التي كان يتحدث بها السيد المسيح عليه السلام في مطلع القرن الأول الميلادي.
تنقسم الآرامية في عصرنا إلى قسمين كبيرين: غربية وشرقية. الغربية ما تزال حية في القرى السورية المذكورة، بينما الشرقية – المعروفة بالسريانية – تتفرع إلى شرقية وغربية، وكلتاهما موجودة في شمال العراق وبعض مناطق شمال سوريا.
وعن العلاقة بين الآرامية والسريانية، أوضح ضامن أنهما تسميتان لجوهر لغوي واحد، لكن الفرق بينهما يكمن في الطور والزمن. فالآرامية هي الاسم الأقدم، والسريانية تمثل مرحلة لاحقة من تطورها. وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن التمييز بين الاسمين تأثر بانتشار المسيحية، حيث أُطلق وصف «السرياني» على من اعتنق الدين الجديد، و«الآرامي» على من بقي على معتقده القديم، ثم استقر الاسمان في دلالتهما التاريخية بعيداً عن أي مدلول ديني مباشر.
للآرامية أثر واضح في اللغة العربية الدارجة في بلاد الشام، حيث أن طائفة غير قليلة من مفرداتها ذات أصل آرامي، مما يشهد على عمق حضورها في العصور الماضية. وكثيراً ما نجد ألفاظاً آرامية اندثر استعمالها في موطنها الأصلي، لكنها بقيت في العامية العربية، مثل «جُوّا» و«بِدّي».
تُعدّ الآرامية من أقدم اللغات الحية لأنها موغلة في القدم، تضاهي في عراقتها أقدم الألسنة المعروفة بعد السومرية والهيروغليفية، ولأنها – رغم انحسارها – ما تزال تُستعمل في الحديث اليومي، ولو في نطاق ضيق، فاجتمع لها قدم الأصل وبقاء الاستعمال.
يُسهم الأهالي في نقل اللغة إلى الأجيال من خلال توارثها جيلاً بعد جيل، وحرص الأهل على مخاطبة أبنائهم بها في البيوت والمجالس، فالإصرار على استعمالها في الحياة اليومية هو الركن الأساس في بقائها واستمرارها. كما تعكس الأغاني والصلوات بالآرامية هوية المنطقة، فقد عمل أهل معلولا على تأدية الطقوس والصلوات باللغة الآرامية، مما كان له أهمية كبيرة في بقاء اللغة حية. وحتى الآن يسمع الزائر لمعلولا الصلوات والترانيم بالآرامية، ولا يخفى أثر ذلك في المستمعين. كذلك، كان للأغاني والأناشيد، خاصة أهازيج الأم لطفلها، دور هائل في الحفاظ على استمرار اللغة.
توجد مبادرات تعليمية وثقافية لإحياء الآرامية في هذه القرى، فبالرغم من أنها ما زالت حية، تهدف المبادرات القائمة إلى الحفاظ عليها وتعزيز حضورها. وفي هذا المجال، تقوم مؤسسة الياس حنا التراثية الخيرية (الوحيدة حالياً ومن منظمات المجتمع المدني) بتنظيم نشاطات ثقافية وتراثية في معلولا وجبعدين، كإصدار المطبوعات وتنظيم الدورات التعليمية. وقد قام جهاد محمد ضامن شخصياً بتعليم قراءة وكتابة اللغة الآرامية في دورة أقامتها جامعة دمشق بالتعاون مع مؤسسة الياس حنا. وسابقاً، نفذت مؤسسة آراميا عدداً من النشاطات الإعلامية والثقافية وأصدرت مطبوعات، منها مهرجان «أكيتو جبعدين» بالتعاون مع وزارة السياحة، ومهرجان الأغاني الآرامية في معلولا وغيرها، كما ساهمت في إشهار متحف اللغة الآرامية في جبعدين. ويشارك في هذه الجهود الأستاذ إبراهيم الشاعر، والأستاذ عماد فياض، والأستاذ الياس تجرة، إضافة إلى العديد من المبادرات الفردية.
يمكن للشباب اليوم أن يساهموا في حماية هذا التنوع من خلال إقامتهم واستقرارهم في التجمعات التي تتحدث الآرامية، حيث أن نزوحهم إلى المدن أو الهجرة يُعدّ من أخطر أسباب تراجع التنوع اللغوي. وفي المقابل، يطالب ضامن المؤسسات المعنية بتوفير المقومات التي تشجع الشباب على السكن والإقامة في مناطقهم، وتخصيص مبلغ في موازنة الدولة لتنمية المنطقة وتوفير مستلزمات بقاء سكانها فيها. ويرى أن وجود بعض المنظمات، مثل هيئة “مار أفرام السرياني” التي تمول مشاريع صغيرة للشباب في معلولا، لا يغني عن ضرورة قيام الدولة بدورها الأساسي.
يُعتبر التنوع اللغوي في سوريا ثروة وطنية، فالسياحة كانت تشكل مصدراً مهماً للدخل القومي، وتنوع اللغات يُعدّ أحد مقوماتها. فالسائحون والباحثون والمهتمون تستقطبهم لغة دينية تاريخية قديمة كالآرامية، لغة السيد المسيح، خاصة وأنها حاضرة في منطقة تزخر بالمزارات والآثار والطبيعة المتميزة. وبالتالي، فإن التنوع اللغوي ثروة وطنية وملك لسوريا كلها.
وعن أجمل كلمة آرامية في نظره، قال ضامن إن كل كلماتها عزيزة، غير أن كلمة (ܪܰܚܡܘܬ݂ܐ «رَحْموثا») – أي المحبة – تظل من أعمقها دلالة وأصدقها وقعاً في النفس.
رسالة التنوع اللغوي السوري إلى العالم هي أن هذه الأرض كانت ولا تزال مهداً للحضارات ومجمعاً للديانات ومنبعاً للعلوم والقوانين. وإن تنوع الألسنة فيها ليس علامة انقسام، بل شاهد غنى حضاري وإنساني متجذر في التاريخ. ويعزز احترام اللغات المختلفة التعايش المشترك، ويندرج ذلك تحت عنوان احترام وقبول الآخر، وبالتالي حين نحترم لغتك المختلفة عن لغتي فإننا نعترف بأننا متساوون في حقوقنا وواجباتنا، ولا بديل لنا من العيش المشترك تحت سقف وطننا سوريا الذي يضم كل هذا التنوع.
ثقافة
سياسة
سياسة
سياسة