غياب الشراكة القانونية والأسرية في رعاية الأطفال المرضى: تحديات الأمهات العاملات في سوريا


هذا الخبر بعنوان "رعاية الأطفال المرضى: مسؤولية لا تعترف بها القوانين ولا الشريك أحياناً" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في نهاية العام الفائت، وجدت "ليلى" البالغة من العمر 45 عاماً، وهي معلمة مدرسة، نفسها في موقف حرج عندما لاحظت أن ابنها ذو الثمانية أعوام يعاني من خمول وحرارة، مما منعه من الذهاب إلى المدرسة. كانت إجازاتها الإدارية السنوية قد استُنفدت، فما كان منها إلا أن طلبت المساعدة من جارتها لرعاية طفلها ريثما ينتهي دوامها. (سناك سوري-رحاب تامر)
لم يخطر ببال "ليلى" اللجوء إلى زوجها في هذا الموقف. وعندما سألها "سناك سوري" عن السبب، أوضحت أنها لا تعرف لماذا لم تفكر بذلك، مشيرة إلى أنها غير معتادة على طلب مساعدته في مثل هذه الظروف، حيث تعتبر نفسها المسؤولة المباشرة عن رعاية طفلها دون الحاجة لتدخله.
قصة "فرح"، 36 عاماً، لا تختلف كثيراً. تعمل "فرح" في القطاع الخاص، حيث الإجازات غير مدفوعة، وفي حال تكرار غيابها لأي سبب، يمكن استبدالها بموظفة أخرى على الفور. روت "فرح" لـ"سناك سوري" تجربتها عندما مرضت والدتها قبل عدة أشهر، حيث لم تتمكن من رعايتها أو حتى زيارتها إلا خلال عطلة نهاية الأسبوع (الجمعة والسبت). وأشارت إلى أن والدتها تفهمت وضعها، مدركة أن خسارة العمل في ظل الظروف الراهنة أمر كارثي.
وفي هذا السياق، تؤكد الحقوقية والناشطة النسوية "نور جزائرلي" أن "إقرار قوانين تراعي خصوصية الأمهات العاملات خطوة مهمة، لكن فعاليتها تبقى محدودة ما لم يكن الزوج شريكاً حقيقياً في تحمل المسؤوليات".
على الجانب الآخر، يوضح "ابراهيم"، 45 عاماً، الذي يعمل في التجارة، أنه لا يمانع رعاية أطفاله في غياب والدتهم لأي سبب، سواء كان ذلك للعمل أو للنزهة. ومع ذلك، يقر بأنه يجد صعوبة في رعاية الأطفال عند المرض تحديداً، لأنه لم يعتد على هذه المسؤولية. ويشير إلى أن طبيعة عمله تتطلب حضوراً دائماً، مما يجعل التغيب عن السوق أمراً صعباً، لكنه أكد أنه سيخوض التجربة إذا اضطر لذلك.
تعكس رواية "ابراهيم" نمطاً من الحضور الأبوي المشروط، الذي يقتصر غالباً على حالات الغياب المؤقت أو الطارئ للأم. في المقابل، تظل رعاية الطفل عند المرض، بما تتطلبه من قلق وسهر واتخاذ قرارات سريعة، مسؤولية تُسند تلقائياً إلى الأم. هذا الحضور الأبوي لا يغيب تماماً، لكنه لا يرتقي إلى مستوى الشراكة الفعلية في اللحظات الأكثر ضغطاً، حيث تُفهم الأمومة على أنها قدرة طبيعية على الاحتمال، بينما يُنظر إلى غياب الأب عن العمل كخسارة أكبر من غياب الأم، حتى في الحالات التي تكون فيها الأم هي المعيل الأساسي للأسرة.
تُظهر النصوص القانونية فجوة واضحة بين الاعتراف بالأمومة كحالة بيولوجية وتجاهلها كمسؤولية يومية مستمرة، فـ"قانون العمل السوري" يمنح العاملة إجازة أمومة مدفوعة الأجر تتراوح بين 120 يوماً للولادة الأولى، و90 يوماً للثانية، و75 يوماً للثالثة، تبدأ خلال الشهرين الأخيرين من الحمل. كما ينص على تخفيض مدتها إلى النصف في حال وفاة المولود، ويمنح ساعة رضاعة يومية مدفوعة حتى يبلغ الطفل عامه الأول، بالإضافة إلى إمكانية الحصول على إجازة إضافية غير مدفوعة لمدة شهر واحد.
لكن هذه الإجازات، رغم أهميتها، تنتهي عملياً بعودة الأم إلى عملها، دون أن توفر أي حماية قانونية في حال مرض الطفل لاحقاً أو حاجته إلى رعاية طارئة. هذا الواقع يضع الأمهات العاملات أمام خيارات محدودة، غالباً ما تؤول إلى التغيب غير المحمي، أو استهلاك الإجازات السنوية، أو البحث عن حلول إسعافية خارج إطار الأسرة.
في المقابل، يتيح القانون إجازات اضطرارية مدفوعة الأجر للعاملين في مناسبات الزواج أو الوفاة، لكنه لا يلحظ أي إجازة مشابهة لرعاية الأطفال المرضى. هذا التناقض يعمق الفجوة بين الدور المتوقع من الأم بوصفها "الحاضنة الدائمة"، وبين غياب اعتراف تشريعي بهذه المسؤولية، أو توزيعها بشكل أكثر عدالة داخل الأسرة وسوق العمل.
لا يقتصر تأثير هذا الواقع على الأمهات وحدهن، بل يمتد ليشمل استقرار العمل والعائلة والمجتمع على المدى الأبعد. فعندما تُجبر النساء على الاختيار المتكرر بين الرعاية والعمل، تتآكل فرصهن المهنية، ليس بسبب نقص الكفاءة أو الرغبة، بل كنتيجة مباشرة لغياب الحماية والدعم اللازمين.
على المستوى النفسي، تتحول الأمومة من علاقة رعاية إلى عبء دائم، يصحبه شعور بالذنب والقلق والاستنزاف، في بيئة لا تعترف بهذه المسؤولية إلا بوصفها شأناً خاصاً يجب تدبيره خارج إطار العمل والأسرة الموسعة.
بينما تُطالب الأمهات بالبقاء حاضرات في العمل وكأن شيئاً لم يحدث، ويُنتظر منهن في الوقت نفسه أن يكنّ الحاضن الدائم لأطفالهن عند المرض، يبقى السؤال مفتوحاً: من يتحمل فعلياً مسؤولية الرعاية حين يمرض الأطفال، إذا كانت الأم مطالبة بالحضور الكامل، والأب محكوماً بالغياب، والقانون يقتصر على إجازات الولادة فقط؟
في قراءة قانونية لهذا الواقع، أوضحت الحقوقية والناشطة النسوية "نور جزائرلي" لـ"سناك سوري" أن "قانون العمل السوري" «لم يلحظ سوى إجازة الأمومة، التي تختلف مدتها بحسب ترتيب الطفل، فتبلغ أربعة أشهر للإنجاب الأول، وثلاثة أشهر للثاني، وتتراجع أكثر مع الطفل الثالث». واعتبرت أن هذا التدرج يوحي وكأن القانون «يفترض أن الأم تعتاد الإنجاب وتصبح أكثر قدرة على الرعاية، متناسياً أن أعباءها تتضاعف مع زيادة عدد الأطفال».
وأشارت "جزائرلي" إلى أن القانون أغفل واقعاً اجتماعياً قائماً، يتمثل في أن «غالبية الرجال في المجتمع الذكوري لا يتقبلون فكرة العناية بالطفل في غياب الأم»، مما يجعل مسؤولية الرعاية ملقاة عملياً على عاتق النساء وحدهن، حتى في الحالات الطارئة.
وأضافت أن التشريعات الحالية لا تأخذ في الحسبان حالات الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، الذين تتطلب رعايتهم وقتاً وجهداً مضاعفين مقارنة بالأطفال الآخرين. وأوضحت أن الأم العاملة، في حال مرض طفلها، «تضطر إلى استهلاك إجازاتها السنوية أو اللجوء إلى مساعدة والدتها إن أمكن، في ظل غياب أي نص قانوني يوفر حماية خاصة لهذه الحالات».
وترى "جزائرلي" أن العديد من النساء يواجهن خيارين لا ثالث لهما، خاصة في غياب شريك داعم ومتقاسم للمسؤوليات: «إما تحمل كامل الأعباء النفسية والجسدية والمهنية بمفردها، أو ترك العمل والتفرغ لرعاية الأطفال».
وفي هذا السياق، تؤكد "جزائرلي" أن «الأطفال ليسوا أبناء الأم وحدها، بل تقع مسؤوليتهم على عاتق الطرفين، الأب والأم معاً»، محذرة من أن تخلي أي طرف عن دوره «يؤدي إلى خلل في توازن الأسرة، ليس فقط في رعاية الأبناء، بل في تقاسم مجمل المسؤوليات الأسرية».
وحول جدوى الحلول القانونية، ترى "جزائرلي" أن «إقرار قوانين تراعي خصوصية الأمهات العاملات خطوة مهمة، لكن فعاليتها تبقى محدودة ما لم يكن الزوج شريكاً حقيقياً في تحمل المسؤوليات»، معتبرة أن جوهر المشكلة «يكمن في بنية الأسرة نفسها، وهي مساحة لا تستطيع القوانين وحدها ضبطها أو إعادة تشكيلها».
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي