آردو جويد – طرطوس: على أطراف جزيرة أرواد، تلك البقعة الصغيرة قبالة ساحل طرطوس، يرتفع صوت المطارق فوق هدير البحر. هنا، في الجزيرة التي عرفها السوريون كمركز لتراث صناعة السفن منذ آلاف السنين، يقف الحرفي رياض بهلوان (50 عاماً) أمام هيكل خشبي ضخم، يتفقد ألواحه بعناية.
بهلوان، الذي ورث مهنته عن أجداده كما ورثها سكان أرواد جيلاً بعد جيل، يشير إلى هيكل قارب قيد الإنشاء قائلاً: "نبدأ من العمود الفقري، ونصمم القوام حسب القياس الذي يريده الزبون، الطول، العرض، وحتى شكل المقدمة".
أرواد.. جزيرة تصنع زوار البحر
تشتهر أرواد منذ أكثر من 2000 عام بصناعة السفن والمراكب. بين الأزقة الضيقة والورش الصغيرة، تتجاور قصص البحارة القدماء مع صوت المناشير ورائحة الخشب. وإلى جانب القلعة والأسوار الأثرية، تبقى مهنة صناعة السفن إحدى أهم سمات الجزيرة الثقافية.
يشرح بهلوان أن اختلاف المراكب، من البرّي إلى النزهة والصيد، يعتمد على اختلاف النموذج الأساسي: "لكل مركب تصميم خاص، حسب العمود الفقري والمقدمة. نصمم كل الأجزاء من خشب الكينا الموجود في الغابات السورية". أما السطح العلوي، المسمى "الظهر"، فيصنع من خشب السرو، بينما تستخدم مواد مستوردة مثل "يا سود" أو "ميغانو" أثناء تلويح القارب من الخارج. وبين ألواح الخشب، يضع الحرفيون القطن لمنع تسرب الماء، قبل تطبيق طبقات الدهانات والمعجون الزيتي لحماية الخشب من البحر. وأسفل القارب، تستخدم مادة "الانتيفولة"، وهي مادة سامة لحماية القاع من التآكل. "بدونها القارب ما بيعيش 6 أو 7 شهور في الماء"، يقول بهلوان، "ندهنها حتى يطول عمر القارب".
معوقات تواجه الصناعة
على الرغم من صعوبة العمل وتكلفته، تبقى الصناعة المحلية أوفر بكثير من المستوردة: "قارب ركاب محلي يكلف بين 35 و40 ألف دولار، بينما لو صنع خارج البلد يصل إلى 150 ألف دولار. نحن أرخص بأضعاف لأن الخشب موجود والتقنية متوارثة"، يوضح بهلوان.
يطالب بهلوان بتسهيل إصدار الرخص البحرية داخل ميناء أرواد نفسه، بدلاً من الذهاب إلى اللاذقية: "اختصار مسافات وتسهيل شغلنا (..) زمان كنا نشتغل بلبنان، نصمم القارب، نصور نصف العمل، ونأخذ الرخص على أساس الصور لأنهم يعرفون خبرتنا"، يقول بلهجته المحلية.
يمتلك أبناء أرواد قدرة على تحويل صورة قارب إلى تصميم كامل، مهما كان تعقيده، بفضل خبرة متجذرة: "نقدر ننفذ أي قارب ووفق قياسات عالمية (…) التفنن بالهندسة والجهد الجماعي أساس نجاح أي ورشة".
ويأمل بهلوان أن يعاد فتح أبواب التصدير كما كان سابقاً: "كنا نصدر لتركيا ولبنان وقبرص… ونأمل ترجع الأيام اللي كنا نفخر فيها بمنتج أروادي يمشي في البحر".