ليالي رمضان في دمشق القديمة: ذاكرة ثقافية حية تحكي قصص المدينة


هذا الخبر بعنوان "رمضان في دمشق القديمة.. سهرات حفظت ذاكرة المدينة وروحها الثقافية" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٠ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مع حلول شهر رمضان المبارك، تستعيد دمشق القديمة رونقها وأجواءها الاجتماعية والثقافية العريقة التي ارتبطت بليالي هذا الشهر الفضيل عبر الأجيال. تتحول الحارات والأسواق والمقاهي إلى فضاءات نابضة بالحياة، تعكس عمق الذاكرة الشعبية وروح العادات الدمشقية المتوارثة.
تشكّل السهرات الرمضانية في دمشق جزءاً أصيلاً من النسيج الاجتماعي والثقافي للمدينة، بحسب ما يورده الباحث طالب الدغيم في مقاله «فضاء للتخيلات والطرائف والمواقف: الليل الدمشقي في الذاكرة الشعبية» المنشور في مجلة الدوحة، ضمن العدد رقم 159 عام 2021. كانت الليالي بعد صلاة التراويح تمتد حتى موعد السحور، في أجواء تجمع بين الطابع الروحي والبعد الشعبي.
ويشير الدغيم إلى أن أهل دمشق كانوا يقصدون المساجد الكبرى، وفي مقدمتها الجامع الأموي، لمتابعة حلقات الذكر ومشاهد المولوية. بعد ذلك، كانت السهرات تنتقل إلى المقاهي والحارات والأسواق التي تزدحم بالناس والزينة والبسطات، خاصة في الليالي الأخيرة من رمضان وليلة القدر، حيث كانت المدينة تبدو أكثر إشراقاً وحيوية، وتتحول إلى فضاء عام يلتقي فيه الرجال والنساء والأطفال في مشهد اجتماعي يعكس خصوصية رمضان الدمشقي.
لم تكن السهرات الرمضانية في دمشق مجرد تجمعات للترفيه، بل كانت مناسبة لإحياء أشكال متعددة من التعبير الشعبي. يوضح الدغيم أن هذه الأشكال تراوحت بين الحكواتي في المقاهي، وتلاوة المولد، والإنشاد الديني، والمساجلات الأدبية، والحوارات الاجتماعية في البيوت والأحياء.
كما يلفت إلى أن المقاهي الدمشقية أدت دوراً يتجاوز التسلية، إذ غدت منتدى ثقافياً واجتماعياً يلتف حوله الناس لسماع السير الشعبية مثل عنترة والظاهر بيبرس وأبي زيد الهلالي. في الوقت ذاته، ازدانت الأسواق التاريخية مثل الحميدية والبزورية بالأضواء والباعة والمتسوقين استعداداً للعيد.
ويقول الحاج محمد سعيد أبو محمود (78 عاماً)، أحد سكان حي القيمرية: “رمضان زمان كان غير… كنا ننتظر الليل لنسمع قصص الحكواتي، وكانت الحارة كلها تجتمع حوله، اليوم تغيرت الدنيا، لكن روح رمضان في دمشق ما زالت هي نفسها”.
لا تزال شخصية الحكواتي حاضرة في بعض مقاهي دمشق القديمة، وإن كانت أقل انتشاراً مما كانت عليه في الماضي. ففي مقهى النوفرة الشهير قرب الجامع الأموي، يجلس الحكواتي بلباسه التقليدي، يروي قصص الأبطال الشعبيين مثل عنترة وأبي زيد الهلالي، وسط تفاعل الحاضرين الذين يجدون في هذه الجلسات نافذة على زمن جميل.
وتروي الحاجة خديجة عرقسوسي (66 عاماً) ذكرياتها قائلة: “كنا نذهب إلى مقهى النوفرة بعد الإفطار، ونسمع الحكواتي وهو يرفع صوته، ويضرب بالسيف على الطاولة، كانت لحظات لا تتكرر، وكل رمضان أسترجع تلك الأيام”.
لطالما شكلت القصص الشعبية جزءاً أساسياً من السهرات الرمضانية في دمشق القديمة. ويشير كبار السن إلى أن القصص والسير الشعبية لم تكن مجرد تسلية، بل كانت وسيلة لغرس القيم الأخلاقية، وتعزيز روح التعاون والشجاعة. ويذكر في هذا الصدد جمعة لحام من سكان الميدان: “الحكواتي لم يكن يروي قصة.. كان يعلمنا معنى الشهامة والكرم، كل قصة كانت لها عبرة، وكل ليلة كنا نرجع إلى البيت حاملين معنا حكمة جديدة”.
وتؤكد جمانة الرفاعي أنها كانت تحب قصص الأميرة ذات الهمة، والتي كانت مثالاً للمرأة التي تقاوم ظروفها، وتتسلح بالإرادة لتواجه التحديات.
تعد جلسات السمر الرمضانية فرصة لتعزيز الروابط الاجتماعية بين سكان الحارات. ففي حي ساروجة، يجتمع الجيران في الساحات الصغيرة، يتبادلون القصص، ويستعيدون ذكريات الطفولة. ويشارك الشباب أيضاً في هذه الجلسات، ما يجعلها مساحة للتواصل بين الأجيال. ويقول العم عبد السلام البني أبو فراس (70 عاماً): “أجمل ما في رمضان أنه يجمع الناس.. حتى الذين كنا لا نراهم طوال السنة كانوا يزورننا في شهر رمضان، كانت الحارة كلها تغدو عائلة واحدة”.
على الرغم من التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها المدينة خلال العقود الأخيرة، لا تزال الليالي الرمضانية في دمشق القديمة تحافظ على جوهرها. فالأهالي يصرون على إحياء العادات التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، معتبرين أن هذه الطقوس جزء لا يتجزأ من هوية المدينة. ويقول عدنان شكري (70 عاماً): “ما دام هناك من يحب هذه المدينة ويحافظ على عاداتها، سيبقى رمضان في الشام الأجمل”.
وهكذا تبقى الليالي الرمضانية في حارات دمشق القديمة أكثر من مجرد طقوس موسمية، إنها ذاكرة حية تنبض في وجدان أهلها، وجسر يصل الماضي بالحاضر ليروي حكاية مدينة تعرف كيف تحافظ على روحها رغم كل ما تغير حولها.
ثقافة
اقتصاد
ثقافة
ثقافة