عندما يصبح التعاطف عبئاً: كيف نتعافى من إرهاق المشاعر ونستعيد توازننا العاطفي؟


هذا الخبر بعنوان "إرهاق التعاطف: كيف نتعافى عندما نشعر بالاستنزاف العاطفي؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١١ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في عالم تتسارع فيه وتيرة الأخبار المأساوية والأزمات الإنسانية، يجد الكثيرون أنفسهم غارقين في آلام الآخرين ومعاناتهم، لدرجة قد تصل بهم إلى الإرهاق العاطفي أو حتى الخدر. وقد يترافق هذا الشعور مع إحساس بالذنب لعدم قدرتهم على الاهتمام بنفس القدر الذي كانوا عليه سابقاً. هذه الحالة تُعرف بـ «إرهاق التعاطف»، وهي ظاهرة نفسية أكثر انتشاراً مما قد يتصوره البعض.
وفقاً لتقرير نشره موقع Simply Psychology، يرتبط إرهاق التعاطف بالاستنزاف العاطفي والذهني الناجم عن الاهتمام المتواصل بأشخاص يمرون بضيق أو معاناة. ومع مرور الوقت، قد تتجاوز القدرة الطبيعية على التعاطف حدود التحمل، مما قد يؤدي إلى شعور بالانفصال العاطفي أو الخدر، بل وقد يصل الأمر إلى العجز عن التعاطف.
يُعرَّف إرهاق التعاطف بأنه حالة من الإرهاق العاطفي والذهني تنشأ عندما يصبح الاهتمام المستمر بمعاناة الآخرين عبئاً يفوق القدرة على التحمل. ومع تراكم هذا الضغط، قد يشعر الشخص بالابتعاد عن مشاعره أو بعدم القدرة على الاستجابة العاطفية كما كان يفعل سابقاً. ورغم أن هذا المفهوم غالباً ما يرتبط بالعاملين في القطاع الصحي، أو المعالجين النفسيين، أو مقدّمي الرعاية، إلا أن الظاهرة لا تقتصر عليهم. فكل من يتعرض باستمرار لمشاعر الألم لدى الآخرين قد يمر بهذه الحالة، بما في ذلك المعلمون، والآباء، والناشطون، وحتى الأصدقاء الذين يتمتعون بدرجة عالية من التعاطف.
في ظل عالم تتدفق فيه الأزمات والأخبار الصادمة باستمرار، يشعر كثير من الناس بأن طاقتهم العاطفية أصبحت مستنزفة. ويستشهد التقرير بوصف أحد المستخدمين في منتدى إلكتروني لهذه التجربة قائلاً: «كنت أبكي عند قراءة كل خبر مأساوي. الآن أمرّ عليه بصمت. لا أريد أن أفقد الإحساس، لكنني متعب من الشعور بكل شيء».
غالباً ما تختلط مفاهيم مثل الاحتراق النفسي (Burnout) وإرهاق التعاطف (Empathy fatigue) وإرهاق التعاطف المهني (Compassion fatigue)، الذي يُطلق عليه أحياناً «تكلفة الرعاية» (Cost of Caring)، لكنها تشير إلى تجارب مختلفة. فالاحتراق النفسي عادة ما ينشأ نتيجة الضغط المزمن في العمل، ويؤدي إلى الإرهاق والسخرية وتراجع الأداء المهني.
أما إرهاق التعاطف المهني، فيصيب غالباً العاملين في المهن التي تقوم على «المساعدة»، مثل تقديم الرعاية الصحية الجسدية أو النفسية، وذلك نتيجة التعرض المتكرر لصدمات الآخرين. في المقابل، يُعد إرهاق التعاطف تجربة أكثر شخصية، إذ ينشأ من الشعور المتكرر والعميق بمشاعر الآخرين. فإذا كان إرهاق التعاطف المهني يتعلق بتكلفة الاهتمام بالآخرين، فإن إرهاق التعاطف يرتبط بالإفراط في الشعور بمشاعرهم أو ما يمكن وصفه بـ«الامتصاص الوجداني». أحدهما يؤثر في الدافع للمساعدة، بينما يؤثر الآخر في القدرة على التعاطف أساساً.
يمكن لأي شخص يتمتع بحساسية عاطفية عالية أن يختبر إرهاق التعاطف، لكن هناك عوامل قد تزيد احتمالات حدوثه، مثل أن يكون الشخص المصدر الأساسي للدعم العاطفي في محيطه الاجتماعي، أو أن يعمل في مجالات مليئة بالمشاعر مثل التمريض أو العمل الاجتماعي أو الإغاثة أو التعليم. كما أن التعرض المستمر للأخبار المؤلمة أو الأحداث العالمية المقلقة قد يزيد هذا الشعور، إضافة إلى الأشخاص الذين يعرّفون أنفسهم بأنهم شديدو التعاطف أو الحساسية.
وتشير عالمة النفس في «عيادة كليفلاند»، سوزان ألبيرز، إلى أن إرهاق التعاطف قد يصيب حتى الأشخاص المهتمين بقضايا مثل العدالة الاجتماعية أو تغيّر المناخ، موضحة أن «الأشخاص الذين يحملون قيماً قوية قد يشعرون بالذنب إذا ابتعدوا قليلاً، حتى عندما يكونون مرهقين».
ويصف أحد العاملين في خدمات حماية الأطفال تجربته قائلاً: «كنت أبذل جهداً كبيراً في كل قضية. الآن أكتفي بالحد الأدنى وأعود إلى المنزل. أكره أنني وصلت إلى هذه المرحلة، لكنني لا أستطيع الاستمرار في استنزاف نفسي».
وتشير هذه الأعراض، في كثير من الحالات، إلى أن الشخص ليس ضعيفاً أو معيباً، بل ببساطة مرهق عاطفياً. والخبر الجيد أن القدرة على التعاطف يمكن أن تعود مع الوقت.
تتداخل عدة عوامل في ظهور هذه الحالة. فالتعرض المستمر لمعاناة الآخرين، سواء من المقربين أو عبر وسائل الإعلام، قد يرهق القدرة العاطفية على معالجة المشاعر. كما أن غياب الحدود العاطفية، مثل التواجد الدائم لحل مشكلات الآخرين، قد يؤدي إلى استنزاف المساحة النفسية الخاصة بالشخص. وفي بعض الحالات، قد تعيد معاناة الآخرين إحياء صدمات شخصية لم تُعالج بعد، مما يضاعف التأثير العاطفي. ويُضاف إلى ذلك الشعور بالمسؤولية عن رفاه الآخرين، وهو شعور قد يقود إلى الذنب والإرهاق النفسي.
لا يمكن العطاء من كأس فارغ، وهناك عدة استراتيجيات قد تساعد على استعادة الطاقة العاطفية:
إذا استمرت مشاعر الخدر أو اليأس أو القلق لفترة طويلة، أو بدأت تؤثر في القدرة على أداء الحياة اليومية، فقد يكون من المفيد التحدث مع متخصص في الصحة النفسية. فالعلاج النفسي يمكن أن يساعد على معالجة المشاعر المرهقة واستعادة القدرة على التعاطف بطريقة صحية من دون الوصول إلى الاستنزاف.
إذا لم يتم التعامل مع هذه الحالة، فقد تؤثر تدريجياً في العلاقات الشخصية والصحة النفسية والقدرة على مساعدة الآخرين. فعندما يكون الشخص مستنزفاً عاطفياً، يصبح من الصعب أن يكون حاضراً لمن حوله، بل وحتى لنفسه. وقد يتردد البعض في أخذ استراحة لأنهم يخشون أن يبدو ذلك وكأنه عدم اهتمام، لكن التوقف المؤقت لا يعني اللامبالاة. بل إن حماية الطاقة العاطفية تساعد على الحفاظ على القدرة على التعاطف على المدى الطويل. فأخذ استراحة من الأخبار، أو رفض تقديم دعم عاطفي في لحظة مرهقة، أو قضاء بعض الوقت بعيداً عن الإنترنت لا يعني الأنانية، بل يعني الحفاظ على التوازن النفسي.
إرهاق التعاطف ليس عيباً في الشخصية، بل إشارة إلى أن الشخص اهتم بالآخرين بعمق، وربما أكثر مما اعتنى بنفسه. ومع الدعم المناسب، ووضع الحدود الصحية، وتبنّي استراتيجيات التعافي، يمكن استعادة التعاطف بطريقة أكثر توازناً واستدامة. فالتعاطف لم يختفِ، بل قد يحتاج فقط إلى بعض الراحة.
صحة
صحة
صحة
صحة