قراءة معمقة في قصيدة كريمة الحسيني "أنهضُ بلا أجنحة": انتصار الروح على تحديات الجسد والزمن


هذا الخبر بعنوان "انتصار التفاصيل الصغيرة: قراءة عاشقة في قصيدة (أنهضُ بلا أجنحة) للشاعرة كريمة الحسيني" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
منذ اللحظة الأولى، يضعنا مراد اللحياني أمام جوهر قصيدة الشاعرة كريمة الحسيني "أنهضُ بلا أجنحة"، التي تجسد فعل النهوض في أقصى تجريداته وجسديته معًا. إنها جملة تتحدى كل استعارات الخلاص الجاهزة والصور الموروثة التي تصور النهوض كمعجزة خارجية. هنا، ينبع النهوض من العمق الداخلي، من العظام المتعبة، ومن الرغبة الغامضة في الاستمرار رغم غياب الأجنحة.
الفعل المضارع "أنهض" لا يشير إلى حدث عابر، بل إلى استمرارية وتجدد، نهوض متواصل يتكرر مع كل صباح، كل لحظة، وكلما سقطت الروح في شرك اليأس. والأجنحة التي تنفيها الشاعرة عن نفسها ليست مجرد عضو، بل هي رمز للخلاص السهل، رمز المعجزة، ورمز الحب الذي يحملنا دون جهد. نفيها يعني اعتماد الذات على عضلاتها وإرادتها العارية، دون أي دعم خارجي. وتأتي كلمة "وكفى" لتؤكد القطع والحسم، لتسكت أي تساؤل عن السبب أو الغاية؛ فالنهوض بحد ذاته يصبح المعنى والغاية.
تنتقل القصيدة بعد ذلك إلى فضاء اليدين الخاليتين: "خاليةٌ من وعودِ الحبِّ والشوق". هنا تكمن المفارقة العاطفية الكبرى؛ فالشاعرة تعترف بفراغ يديها دون بكاء، مسجلة إياه كحقيقة موضوعية. "وعود الحب" تشير إلى علاقة سابقة كان فيها الوعد حاضرًا ثم غاب، لكنها لا تسمي الخيانة أو تذكر الخاذلين، بل تشير إلى مكان الجرح دون فتحه.
ثم تنفي الشاعرة السخط عن ثلاثة عناصر: "لستُ ساخطةً على الوقتِ/ أو البردِ أو الجفاءِ". ترفض إلقاء اللوم على العوامل الخارجية كالوقت الذي يمحو الملامح، وبرودة الحياة، وجفاء الأحبة. تتحمل الذات مسؤولية وجودها، وكأن هذا هو النظام الطبيعي للأشياء.
يأتي المشهد الأكثر إدهاشًا: "أُغلِقُ الأبوابَ خلفي وأمضي/ دونَ أن أرتِّبَ إلى أين/ أو كيف أو متى". إغلاق الأبواب خلفها لا أمامها، يقطع خط الرجعة على نفسها، مؤكدة استحالة العودة. تمضي بلا خريطة أو خطة، وهذا عين الإيمان الإنساني بالحركة ذاتها، بالخطوة التي تلد الخطوة التالية. هناك نبض صوفي في هذه الأسطر، تسليم كامل لتيار الوجود دون مساومة.
تتوالى الأسطر العاطفية كاعتراف مختلس: "أُحِبُّ/ أشتاقُ/ أتعوّدُ أو لا أتعوّد". ثلاثة أفعال مضارعة تخلق إيقاعًا يشبه دقات القلب. الحب والشوق حاضران بقوة، لكن التعود متوقف، مما يعكس حيرة الشاعرة وجوهر الألم، فمعركة الذاكرة لم تُحسم بعد. تختتم هذا المقطع بجملة حاسمة: "عليَّ أن أُكمِلَ الطريقَ وحدي/ لا جدوى من الانتظار". تعترف بأن الوحدة ضرورة وتنفي جدوى الانتظار الذي أصبح فعلاً عبثيًا.
لكن هذه اليقينية تتهاوى أمام الجملة التالية: "تسوقُني الأقدارُ/ إلى حيثُ أدري ولا أدري". يعود الغموض، المنطقة الرمادية بين المعرفة والجهل. الأقدار تسوقها، وهي ليست صاحبة القرار الأول، لكنها في الوقت نفسه تدري ولا تدري. هذا التدري الجزئي يبقي على شرارة الأمل، فالإيمان بالقدر هنا ليس تخديرًا، بل اعترافًا بحدود الإرادة البشرية.
ثم يبدأ المقطع الأكثر تأثيرًا، الذي يصور التحول الجسدي للمرأة أثناء مسيرها في الحياة: "تكبرُ تفاصيلُ وجهي/ كلما تقدَّمتُ خطوةً". صورة عكسية مذهلة، حيث التقدم يعني تشوهًا تدريجيًا. تكبر تفاصيل الوجه، ليصبح مجموعة من الأجزاء المستقلة، كل جزء يحكي قصة منفصلة. الرحلة الطويلة تفرض ثمنها على الجسد، وكل خطوة نحو الأمام هي خطوة نحو شيخوخة مبكرة. تأتي التفاصيل بشكل سوريالي مؤلم: "كبرَ أنفي/ غارتْ عينايَ/ طالتْ أُذنايَ لتستقبل صوت الريح/ بهتَ لونُ شفتيَّ/ ثقلتْ خُطايَ". إنه تشريح شعري لامرأة تمر بمحنة طويلة، يتغير جسدها بتغير المسافات. لا تشكو، لكن جسدها يشكو نيابة عنها، يروي حكاية صبر ومقاومة.
تأتي الأسئلة المتأخرة التي تطرحها الشاعرة على نفسها بعد مسير طويل: "سألت نفسي/ من كان معي/ من كان ضدي/ من أمسك بيدي". أربعة أسئلة متتالية تخلق إيقاعًا استفهاميًا. الزمن يمحو التفاصيل لكنه لا يمحو الحاجة إلى المعرفة. هذه الأسئلة المعلقة هي شكل من أشكال العذاب الرقيق، أن تنسى من آذاك ومن أحبك. ولكن في نهاية هذه الأسئلة، يختلف الإيقاع: "من نظرَ في وجهي الحزينِ/ وقال لي:/ ما أجملَكِ…". تبحث عن ذلك الشخص الذي رأى جمالها في لحظة حزنها، من رآها منهكة متعبة وقال لها: ما أجملك. هنا نصل إلى قلب القصيدة النابض، إلى اللحظة التي تبرر كل ما سبق. إنها تبحث عن الحب الحقيقي الذي يرى الجمال في العينين الغائرتين، في الشفتين الباهتتين، في الوجه الحزين. "ما" التعجبية تحول الحزن إلى جمال، والمعاناة إلى شيء يستحق الإعجاب.
تتجلى قدرة كريمة الحسيني على بناء القصيدة؛ فبعد كل هذا السرد الجاف والتفاصيل الجسدية القاسية، تفاجئنا بهذه الخاتمة المضيئة. كل ما مضى كان مقدمة لهذه اللحظة الواحدة، لحظة النظر في الوجه الحزين وقول "ما أجملك". هذا يعني أن الجمال الحقيقي ليس في النضارة الأولى، بل في القدرة على البقاء جميلاً رغم الحزن والتعب. إنه الجمال الذي يولد من رحم المعاناة، يشبه ضوء القمر في ليلة مظلمة. تبحث عن اعتراف واحد: أن أحدًا رأى الجمال في وجهها الحزين، قد تكون عين حبيب، أم، صديق، أو حتى عين القارئ.
تحمل القصيدة في مجملها نبرة أنثوية هادئة، تتأمل نفسها والعالم دون إلقاء اللوم. الرجل حاضر كغياب، كسؤال بلا إجابة. ما يميز هذه القصيدة هو قدرتها على المزج بين العام والخاص، الجسدي والروحي، اليأس والأمل. تبدأ بفعل النهوض الفردي، ثم تتسع لتشمل تأملات في الزمن والمصير، ثم تعود لتختتم بلحظة حميمية خالصة. هذا الانتقال السلس بين المستويات يجعل القصيدة تشبه الحياة نفسها، حيث تتداخل الأشياء ولا تنفصل. إنها رحلة إنسان كاملة، لا تبحث عن خلاص نهائي، بل عن لحظة اعتراف واحدة.
تترك قراءة هذه القصيدة في النفس طعمًا خاصًا، مزيجًا من المرارة والحلاوة. تذكرنا بأن الجمال قد يأتي من أكثر الأماكن إيلامًا، وأن النهوض لا يحتاج دائمًا إلى أجنحة، بل يكفي أحيانًا أن نقرر النهوض فقط، ثم نمشي، حتى لو كنا لا نعرف إلى أين. تقدم كريمة الحسيني في هذه القصيدة نموذجًا للشعر النسوي الراقي، الذي لا يطلب العطف ولا يستجدي الرحمة، بل يقدم شهادة حية على قدرة الإنسان على التحول والاستمرار، حتى عندما يتغير الوجه وتثقل الخطى وتصمت الشفتان. إنها قصيدة تستحق القراءة مرارًا، فكل قراءة تكشف عن طبقة جديدة من المعنى، وعن تفصيل صغير كان خافيًا. وكما تقول الشاعرة، التفاصيل تكبر كلما تقدمنا خطوة. وهكذا هي قراءة هذه القصيدة: كلما تقدمنا فيها، كبرت تفاصيلها في أعيننا، حتى نصل في النهاية إلى تلك اللحظة المضيئة حيث ننظر إلى وجهها الحزين، ونقول لها بصدق: ما أجملك.
النّصّ: (أنهضُ بلا أجنحة)
أنهضُ، وكفى
خاليةٌ من وعودِ الحبِّ والشوق
لستُ ساخطةً على الوقتِ
أو البردِ أو الجفاءِ
أُغلِقُ الأبوابَ خلفي وأمضي
دون أن أرتِّبَ إلى أين
أو كيف أو متى
أُحِبُّ
أشتاقُ
أتعوّدُ أو لا أتعوّد
عليَّ أن أُكمِلَ الطريقَ وحدي
لا جدوى من الانتظار
تسوقُني الأقدارُ
إلى حيثُ أدري ولا أدري
تكبرُ تفاصيلُ وجهي
كلما تقدَّمتُ خطوةً
كبرَ أنفي
غارتْ عينايَ
طالتْ أُذنايَ لتستقبل صوت الريح
بهتَ لونُ شفتيَّ
ثقلتْ خُطايَ
سألت نفسي
من كان معي
من كان ضدي
من أمسك بيدي
من نظرَ في وجهي الحزينِ
وقال لي:
ما أجملَكِ…
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة