دراسة تكشف: هرمون الكورتيزول يعطل نظام الملاحة في الدماغ ويسبب الضياع تحت التوتر


هذا الخبر بعنوان "لماذا نضيع الطريق عندما نشعر بالتوتر؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يعد الشعور بالضياع أثناء التوتر مجرد إحساس عابر، فقد كشفت دراسة علمية حديثة أن هرمون التوتر، المعروف باسم الكورتيزول، قد يعطل بشكل فعلي النظام المسؤول عن تحديد الاتجاهات والتنقل المكاني داخل الدماغ. وأفادت الدراسة، التي أجراها باحثون من جامعة الرور في بوخوم بألمانيا ونُشرت في مجلة PLOS Biology، بأن المستويات المرتفعة من الكورتيزول قد تربك نشاط "خلايا الشبكة" (Grid Cells)، وهي خلايا عصبية متخصصة تؤدي دوراً محورياً في نظام تحديد المواقع الداخلي للدماغ. وتوضح النتائج أن التوتر يؤثر مباشرة في قدرة الإنسان على إيجاد طريقه والتوجه في بيئته المحيطة.
شملت الدراسة 40 رجلاً يتمتعون بصحة جيدة، حيث خضع كل منهم لتجربتين منفصلتين. في إحدى الجلستين، تناول المشاركون 20 مليغراماً من الكورتيزول، بينما تلقوا دواءً وهمياً في الجلسة الأخرى، وذلك للمقارنة بين تأثير الحالتين. خلال كل تجربة، أُجري للمشاركين اختبار توجيه ضمن بيئة افتراضية، بينما قام العلماء بتسجيل نشاط أدمغتهم باستخدام جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (MRI). تضمنت التجربة وضع المشاركين في مرج افتراضي واسع، حيث طُلب منهم التوجه نحو مجموعة من الأشجار التي تختفي بمجرد الوصول إليها. لاحقاً، كان عليهم العثور على أقصر طريق للعودة إلى نقطة البداية دون أي إشارات مساعدة. وقد اشتمل الاختبار على جزأين: أحدهما في بيئة افتراضية خالية من المعالم الثابتة، والآخر تضمن منارة تعمل كنقطة مرجعية لتحديد الاتجاه.
أظهرت النتائج أن المشاركين الذين تلقوا الكورتيزول ارتكبوا أخطاءً أكبر بكثير في تحديد الاتجاه الصحيح مقارنةً بحالتهم عند تناول الدواء الوهمي. وقد لوحظ هذا التأثير بوضوح سواء كانت المعالم المرجعية موجودة في البيئة الافتراضية أم لا، مما يشير إلى أن التوتر قد يؤثر في قدرة الدماغ على استغلال خرائطه الداخلية للتنقل. ويوضح الباحثون أن هذه القدرة تعتمد على "خلايا الشبكة" العصبية الخاصة، والتي تقع في منطقة "القشرة الشمية الداخلية" (Entorhinal Cortex) بالدماغ. تنشط هذه الخلايا عادةً بنمط شبكي أثناء التوجيه المكاني، مما يمكن الدماغ من بناء خريطة داخلية للمكان تساعد الفرد على تحديد موقعه واتجاهه. لكن تحت تأثير الكورتيزول، أصبح نمط نشاط هذه الخلايا أقل وضوحاً ودقة، خاصة في البيئات التي تفتقر إلى معالم واضحة، مما يعني أن الدماغ يفقد جزءاً من قدرته على الاعتماد على نظام الملاحة الداخلي الخاص به.
لاحظ العلماء أيضاً أن الكورتيزول تسبب في زيادة النشاط بمنطقة أخرى من الدماغ تُعرف باسم "النواة المذنبة" (Caudate Nucleus). ويرجح الباحثون أن هذا النشاط يمثل محاولة من الدماغ للتعويض عن ضعف نظام الملاحة الأساسي، وذلك من خلال تفعيل استراتيجيات توجيه بديلة. بعبارة أخرى، عندما يتعطل النظام الرئيسي المسؤول عن تحديد الموقع، يسعى الدماغ إلى استخدام آليات بديلة لإنجاز المهمة.
تكتسب هذه النتائج أهمية إضافية نظراً لأن "القشرة الشمية الداخلية"، التي تضم "خلايا الشبكة"، تُعد من أوائل مناطق الدماغ التي تتأثر بمرض ألزهايمر. ويعتقد الباحثون أن ما توصلت إليه الدراسة قد يسهم في فهم العلاقة بين التوتر المزمن وخطر الإصابة بالخرف. فالتعرض المستمر لمستويات عالية من هرمون التوتر قد يؤدي إلى إضعاف هذه المنطقة الحساسة من الدماغ بمرور الوقت، وهو ما قد يفسر بعض التأثيرات طويلة المدى للتوتر على الذاكرة والقدرات المعرفية.
يؤكد العلماء أن فهم كيفية تأثير التوتر في شبكات الدماغ قد يفتح الباب مستقبلاً لتطوير استراتيجيات فعالة لحماية الدماغ من تبعات الإجهاد المزمن. كما أن هذه النتائج قد تفسر ظاهرة شائعة يلاحظها الكثيرون في حياتهم اليومية: ففي أوقات الضغط الشديد أو القلق، يزداد صعوبة التركيز وتضعف الذاكرة، ويصبح حتى إيجاد الطريق أكثر تعقيداً. وبذلك، تذكرنا هذه الدراسة بأن التوتر لا يقتصر تأثيره على حالتنا النفسية فحسب، بل قد يغير أيضاً طريقة عمل الدماغ ذاته.
علوم وتكنلوجيا
علوم وتكنلوجيا
علوم وتكنلوجيا
علوم وتكنلوجيا