نضال الخضري: العيد في زمن الحرب.. تحدي مرونة الروح السورية في مواجهة اللايقين


هذا الخبر بعنوان "العيد في زمن الحرب" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في مقال رأي بقلم نضال الخضري، يتناول الكاتب كيف يتقلص الزمن في أزمنة الحروب، ملغياً بذلك العديد من التفاصيل التي كانت تشكل مصدراً للفرح. تتحول نشرات الأخبار إلى دليل يومي لساعات النهار، فالتصورات التي كانت سائدة قبل أسابيع من بدء المعارك اختلفت تماماً، وتوجه التفكير نحو حالات غير مألوفة. لقد اجتاحت الحرب كل تفكيرنا، مثقلة إيانا بهموم جديدة تزيد من قلقنا. فنحن أيضاً نخوض صراعاتنا الخاصة دون صواريخ أو قصف، لكن اشتعال الأوضاع في الخليج وإيران أثار في داخلنا مساحة من القلق العميق بأن الحروب لا ترحم أحداً.
ندخل مناسبة العيد ونحن نسير على جسر ضيق يربط بين زمنين مختلفين؛ الأول يخص سوريا، التي تراقب الحرب وهي مثقلة بهمومها الداخلية، وبتحديات التحول الثقافي المفروض عليها وكأنه قدر لا مفر منه. أما الزمن الثاني، فيتجول في غرب آسيا، محذراً الجميع من أن صوراً سياسية جديدة قادمة قد تبدل من كل أشكال الحياة التي عرفتها الأجيال منذ منتصف القرن الماضي.
نحاول جاهدين إعادة تعريف الفرح في زمن الحرب، وأن نجعل الأحداث اليومية تسير في هامش بعيد عن صلب حياتنا. ترتسم أمامنا أحداث غير متوقعة وحالة من اللايقين تتصل بسير المعارك. فنحن، ومع الشكوك التي خلقتها فترة عقد ونصف من الزمن السوري الاستثنائي، نعيد ترتيب ما حصل وسط ذاكرة مثقلة بالخيبات والأمل، ونحاول أن نلتقط ما تبقى من قدرة على الاحتمال، وكأننا نختبر مرونة الروح في أقسى ظروفها.
يتحول العيد من مناسبة مكتملة المعنى إلى اختبار داخلي عميق؛ يصبح امتحاناً في فهمنا لأنفسنا. فالفرح لم يعد يعني غياب الحزن، بل بات شكلاً من أشكال مقاومته، ومحاولة عنيدة لإبقاء الحياة في حدها الأدنى الممكن. فالسوريون، الذين خبروا طويلاً تداخل الأزمنة وتكسر اليقين، لا ينظرون إلى ما يجري بوصفه حدثاً بعيداً. فكل حرب جديدة تستدعي أسئلة لم تُغلق بعد: ماذا يعني أن تكون جزءاً من جغرافيا تتنازعها القوى؟ وكيف يمكن لمجتمع أنهكته التحولات أن يجد موقعه في خريطة يعاد رسمها باستمرار؟ هذه أسئلة تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، وإلى الأحاديث العابرة، وإلى الصمت الثقيل الذي يسبق أي تحليل.
إن اللايقين الذي يلف الجميع لا يسمح بتوقعات حاسمة، أو تصورات جديدة لكل الإيمان بأن الأعياد زمن استرخاء. فالتيقن لم يعد حالة يمكن أن تستمر طويلاً، بل أصبح عملية لا تتوقف من البحث وإعادة التقييم. ورغم كل شيء، يظل العيد مساحة رمزية تذكر بإمكانية استعادة المعنى، فحتى في أكثر اللحظات قتامة، يبقى هناك هامش ضيق يمكن للإنسان أن يتمسك به، ويصنع فيه توازنه الخاص، ويعيد من خلاله تعريف علاقته بالعالم.
بين حرب تقترب وأخرى لم تبتعد أبداً، نمضي في اختبار يومي لقدرتنا على العيش، لا بوصفه أمراً سهلاً أو يمكن معاينته بشكل طبيعي، بل كفعل إرادي يحتاج إلى شجاعة مستمرة، حيث لا يكون الفرح ترفاً، بل ضرورة، ولا يكون العيد مناسبة عابرة، بل علامة على أن الحياة، رغم كل ما يحيط بها، لا تزال ممكنة.
سوريا محلي
سياسة
اقتصاد
سياسة