خمسينية الشتاء: إرث الأجداد في رصد تحولات الطبيعة وبشائر الربيع


هذا الخبر بعنوان "خمسينية الشتاء… نهاية البرد وبداية الربيع في الموروث الشعبي" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣٠ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
دمشق-سانا: مع تراجع حدة البرد وبدء الأرض بالخروج من سباتها الشتوي، تتجلى ملامح الربيع شيئاً فشيئاً، معلنةً بذلك انتهاء مرحلة جوهرية ضمن التقويم الشعبي العربي، وهي فترة خمسينية الشتاء.
لا يقتصر التغير في هذه الفترة الانتقالية على الطقس وحده، بل يشمل أيضاً استعادة خبرات الأجداد الذين وضعوا نظاماً دقيقاً لمراقبة تحولات الطبيعة، وربطوا بين انحسار البرد وبدايات الحياة الجديدة. فقد شكّلت الخمسينية مؤشراً حيوياً لمآل الموسم الزراعي، وبوابة للعبور من قسوة الشتاء إلى اعتدال الربيع.
تتميز خمسينية الشتاء بتقسيمها إلى أربع مراحل، تُعرف بـ "السعود"، وتستغرق كل مرحلة اثني عشر يوماً ونصف اليوم. هذه المراحل هي:
في هذا السياق، أوضحت الباحثة المهتمة بالتراث، بثينة خليل، في تصريح لوكالة "سانا": "تميزت خمسينية الشتاء في الموروث الشعبي بتقسيمها إلى أربعة سعود، اعتمد فيها العرب على مراقبة دقيقة للتحولات المناخية، وربطوا كل مرحلة بسمات جوية محددة ساعدتهم على فهم طبيعة الموسم والتكيف مع تقلباته".
وأضافت خليل أن العرب في البادية اعتمدوا على هذه الملاحظات لتقدير وفرة الأمطار والمحاصيل الزراعية، وذلك قبل ظهور علم الأرصاد الجوية، مما يعكس خبرة تراكمية مبنية على التجربة والمعرفة البيئية.
تشكل خمسينية الشتاء جزءاً مهماً من الثقافة العربية، وقد ارتبطت بكم كبير من الأمثال الشعبية التي تلخص التجربة الزراعية، مثل: "بين بلع والسعود بيطلع الربيع من العود"، و"في سعد الخبايا بتطلع الحيايا وتتفتل الصبايا".
كما يرتبط فهم الخمسينية بالمربعانية التي تسبقها، والتي كان البدو يحددون دخولها عبر مؤشرات طبيعية، كطول الظل وقت الظهيرة، وانخفاض درجات الحرارة، وظهور بخار النفس، إلى جانب ملاحظات دقيقة على سلوك النباتات والحشرات.
وتشير بثينة خليل إلى أن البدو قسموا المربعانية إلى ثلاث منازل قمرية هي:
لا يقتصر حضور هذا التقويم على الذاكرة الشعبية فحسب، بل تمتد جذوره إلى مؤلفات التراث العربي. فقد أشار ابن قتيبة الدينوري في كتابه "الأنواء" إلى اعتماد العرب على مراقبة منازل النجوم وحركاتها لتحديد الفصول وتقلبات الطقس، وربطوا بين طلوع بعض النجوم وهطول الأمطار أو اشتداد البرد. يعكس هذا الطرح فهماً مبكراً للعلاقة بين الظواهر الفلكية والمناخية، وهو ما شكّل الأساس الذي بُنيت عليه لاحقاً تقسيمات مثل الخمسينية والسعود، بوصفها قراءة زمنية لدورات الطبيعة.
وعلى الرغم من أن هذا التقويم يُعد جزءاً من التراث الشعبي ولا تعتمد عليه الأرصاد الجوية الحديثة كمرجع علمي دقيق، إلا أنه يعكس فهماً عميقاً قائماً على الملاحظة والتجربة لدورات الطبيعة. وقد أسهم العلم الحديث في تفسير العديد من هذه الظواهر، مع الحفاظ على القيمة الثقافية لهذا الموروث بوصفه سجلاً حياً لعلاقة الإنسان العربي ببيئته.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة